الدراما الرمضانية: موسم فني أم سوق موسمية؟–

بقلم  بوبكر بلعيد/

______________________________________


لم يعد رمضان، في المشهد الثقافي العربي، مجرد زمن استثنائي تتغيّر فيه إيقاعات الحياة، بل صار موعدًا ثابتًا لذروة الإنتاج الدرامي، حيث تتحوّل الشاشة إلى فضاء مزدحم بالحكايات، وتغدو المتابعة طقسًا يوميًا لا يقل انتظامًا عن مواعيد الإفطار. غير أن هذا الحضور الكثيف يفرض سؤالًا يتجاوز الأرقام ونسب المشاهدة: هل نحن أمام موسم فني فعلي، أم أمام سوق موسمية تحكمها قوانين الاستهلاك السريع؟


في الظاهر، يبدو الأمر احتفاءً بالفن. أعمال كثيرة، أسماء لامعة، ميزانيات ضخمة، وسباق محموم على جذب الانتباه. لكن خلف هذا الوهج، يختفي منطق آخر، أكثر برودة: منطق البرمجة، حيث يُختزل الزمن الرمضاني في ثلاثين حلقة، وتُصاغ الحكايات على مقاس الإعلان، لا على مقاس الأسئلة الإنسانية.


هكذا، يتحوّل الزمن، الذي يفترض أن يكون زمن تأمل ومراجعة، إلى مجرّد إطار زمني للاستهلاك، وتتحوّل الدراما من فعل إبداعي إلى منتج موسمي، محكوم بتاريخ العرض أكثر من عمق الرؤية.


ما يُلفت في الدراما الرمضانية اليوم ليس فقط كثافة الإنتاج، بل هشاشة الأثر. تُشاهَد الأعمال بسرعة، تُناقَش على عجل، ثم تُنسى مع نهاية الشهر، كأنها لم تكن سوى مواد عابرة لملء فراغ زمني محدّد. القليل فقط ينجح في كسر هذه القاعدة، في ترك أثر، أو في إثارة نقاش يتجاوز لحظة البث.



الأخطر أن رمضان لم يعد يُستثمر بوصفه سياقًا ثقافيًا، بل استُعمل كذريعة إنتاج. نصوص تُكتب تحت ضغط الوقت، تصوير محكوم بالاستعجال، وتجريب مؤجَّل إلى أجل غير مسمّى. لا مكان للمغامرة الجمالية، ولا متّسع للأسئلة الصعبة، لأن السوق لا يحب المخاطرة، والموسم لا ينتظر.

في هذا السياق، تصبح الدراما شبيهة بالسلع الموسمية: صالحة للاستهلاك الآني، محدودة الصلاحية، وسريعة الاستبدال.


وسط هذا المشهد، يقف الفنان في منطقة رمادية. ليس بريئًا تمامًا، ولا مذنبًا بالكامل. فهو يعمل داخل منظومة تفرض شروطها، وتُعيد تعريف النجاح بلغة الأرقام لا بلغة القيمة. والسؤال الحقيقي ليس: لماذا يشارك الفنان؟ بل: كيف يمكن للفن أن يحافظ على معناه داخل منظومة تُكافئ السطح وتُهمّش العمق؟


التجارب القليلة التي نجحت في اختراق هذا المنطق تؤكد أن الإمكان قائم، لكنه يتطلب شجاعة في الكتابة، ورهانًا على الذكاء الجماعي، لا على الاستسهال.



غالبًا ما يُحمَّل الجمهور مسؤولية ما يُنتَج، وكأن الذائقة الشعبية عائق أمام الجودة. غير أن الواقع أكثر تعقيدًا. فالجمهور، حين يُقدَّم له عمل صادق ومتماسك، يتفاعل معه، وينحاز إليه. المشكلة ليست في الذائقة، بل في الطريقة التي يُنظر بها إلى هذه الذائقة، بوصفها قابلة للترويض السريع.

ربما آن الأوان لإعادة طرح السؤال من جذوره:
هل تحتاج الدراما إلى رمضان كي تكون مرئية؟
أم أن ربطها بالموسم حوّلها إلى منتج استهلاكي يفقد قيمته بانتهاء مدّته؟

يبقى السؤال مفتوحًا، كما يجب أن يكون دائمًا:
هل نريد دراما تُشبه رمضان في عمقه وتحولاته،
أم دراما تستهلك الشهر… ثم تنسحب بهدوء؟