حين تكسّرت المرايا الكمومية
انعكاس الوعي الكوني في الذات المفردة
بقلم أ.عبدالعالي لعجايلية./
____________________________


في البدء، لم تكن الوحدة قرارًا، ولا حالة نفسية عابرة، بل انزلاقًا صامتًا في بنية المعنى. كنت جالسًا خلف طاولتي المعتادة، حين شعرت فجأة أن الكوب الذي أُمسكه لم يعد “شيئًا”. لم يسقط، ولم يتغيّر شكله، لكن يقيني به انخلع. صار احتمالًا مرتجفًا، كما لو أن العالم، كلّه، تراجع نصف خطوة إلى الوراء.

لم أشكّ.
الشكّ أرقى من ذلك.
ما حدث كان اهتزازًا في مركز الإدراك نفسه؛ كأن المرآة الأولى اختلّ سطحها، فلم تعد تعكس وجهي الذي ألفته في الصباحات، بل كشفت تصدّع الصورة ذاتها. هناك، حيث تتشابك الأرواح كما تتشابك الجسيمات قبل أن تُرصد، أحسست أن الوعي الكوني يغيّر طوره، وأن ما حسبته ثباتًا لم يكن سوى هدنة قصيرة مع الوهم.

تفجّرت التجربة داخلي لا كوحيٍ من الماضي، بل كقفزة وجودية مباغتة. لحظة رصد لا رجوع بعدها. تغيّرتُ لأنني رأيت، تمامًا كما يتغيّر الجسيم حين تقع عليه عين المراقبة. ومع ذلك، تسلّل السؤال كشوكة باردة في حلقي:
أكان ما أراه انكشافًا للحقيقة… أم مرآة أعمق صقلها خوفي في لحظة ضيق؟

بكيت.
لا حزنًا.
بل لأن شيئًا ما كان ينهار دون أن أملك اسمًا له.

تتابعت الانهيارات. لم تُغلق الأبواب كخشبٍ يرتطم بإطاره، بل كأنساق إدراكية كانت تنظّم علاقتي بالعالم. وجوه هوت من عليائها، ضحكات كانت تبدو صادقة انطفأت فجأة، كأنها انعكاسات لم تعد تتحمّل الضوء الجديد. علاقات فقدت تماسكها، كما تفقد الوظيفة الموجية توافقها حين يتغيّر الزمكان من الداخل.

أوجعني أنني لم أعد أميّز بين من غادر، ومن تلاشى، ومن لم يكن يومًا سوى صورة علّقتها حاجتي على جدار الآخرين. الجميع تفتّتوا إلى أطياف، شظايا مرايا كنت أستعيرها لأرى نفسي. عندها فقط أدركت—وبمرارة بلا مسكّن—أن بعض العلاقات لا تنكسر لأنها زائفة، بل لأنها أدّت وظيفتها كاملة… وانتهت صلاحية وجودنا معًا.

وجدت نفسي وحيدًا وسط الركام.
يداي ترتجفان.
صدري مثقل كأن الهواء صار أسمك.
كنت أبحث عن وجهي، لا في مرايا الخارج التي تعكس ما يرضي الجماعة، بل في مرآة الوعي التي لا تُجيد سوى الصدق القاسي. رأيت شظايا وجوه حسبتُها امتدادًا لذاتي، فإذا بها أنماطًا قديمة كانت تسكنني، لا لأنها أنا، بل لأنني كنت أرتعب من الفراغ الذي يخلّفه غيابها.

حين تكسّرت المرايا، لم يكن صوت الزجاج ما أرعبني، بل الصمت الذي أعقبه. صمتٌ كشف هشاشة “أناي”، وكأنني لم أكن موجودًا إلا بقدر ما ينعكس اسمي في عيونهم. وفي ذروة هذا العراء، وبينما كنت أتحسّس جسدي لأتأكد من أنني ما زلت هنا، انعكست السماء فجأة في داخلي.

لم تكن صورة.
كانت اتّساعًا.

شعرت أن الوعي الكوني، وقد سئم التبعثر في وجوه الآخرين، اختار أن يقيم في نقطة وجودي. لا تفضيلًا لي، بل لأن المرآة أخيرًا صارت فارغة بما يكفي لاستقباله.

الذين خرجوا من حياتي لم يخذلوني، وأنا لم أخرج منهم بلا جراح. أدّوا أدوارهم كما ينبغي، ورحلوا حين انتهى المشهد. تركتُ فيهم فراغي، كما تركوا فيّ صورتي القديمة. وما بين الفراغين، وُلد هذا الصمت الذي لا يُدين أحدًا، ولا يبرّئ أحدًا.

لم تكن الوحدة منفى، بل خلعًا لجلدٍ ضاق بصاحبه. تطهيرًا من تكرارات موجعة. مساحة خالية تشبه الحرية أكثر مما تشبه الغياب. مرآة بلا إطار، لا تعكسني كما أحب، بل كما أنا حين لا يراقبني أحد. العزلة لم تكن نفيًا عن الوجود، بل عودة إلى الرحم الأول؛ إلى اللحظة التي كان فيها الصمت لغة، والفراغ امتلاءً.

في هذه الوحدة، سقطت “الأنا” عن عرشها الزائف. لم تُهزم بضربة، بل تجرّدت من ثياب التعلّق ودخلت كهف التحوّل. هناك، في العتمة التي تسبق الفجر، لم يولد النور من فكرة، بل من تصدّع في جدار النفس. والبصيرة لم تأتِ كيقين نهائي، بل كمرآة أخيرة تعرف كيف تشكّ دون أن تنهار.

وحين اقتربت من أقصى وحدتي، سمعت نغمة لا تعزفها الكائنات، ورأيت وجهًا لا يُقارن ولا يُقاس. لم يكن آخرًا، ولا قناعًا جديدًا، بل أنا… لا كما كنت، بل كما تُصهَر المعادن لتخرج ذهبًا خالصًا؛ لا بزيادة شيء إليها، بل بالتخلّص من كل الشوائب.

لم أُهزم.
انتصرتُ بضعفي.
تحلّلتُ من كل ما لستُ أنا.

وتركتُ المرآة أخيرًا…
بلا صورة،
ليظهر من خلالها الوجود.