فيلم “أحمد باي” حين تصير الذاكرة الجزائرية فعلَ سينما لا خطابًا-
بقلم بوبكر بلعيد/
____________________________________

لا يأتي الفيلم السينمائي “أحمد باي” كاستعادة تاريخية كلاسيكية لسيرة أحد رجالات الدولة في الجزائر العثمانية، بقدر ما يطرح نفسه كمحاولة فنية لملامسة لحظة مفصلية من تاريخ البلاد، لحظة كان فيها المصير الوطني يتشكل بين الانهيار والمقاومة، وبين هشاشة الداخل وضغط الخارج.
الفيلم، الذي أنتجته سميرة حاج جيلاني، يراهن على السينما بوصفها أداة وعي لا مجرد وسيلة إحياء للذاكرة. إنتاج يَظهر فيه الحرص على تحويل التاريخ من مادة مدرسية جامدة إلى فضاء درامي مفتوح على الأسئلة، حيث لا يُقدَّم أحمد باي كأيقونة مغلقة، بل كشخصية مركبة، محاصَرة بثقل السلطة، وعزلة القرار، وخيبات المرحلة.
اختيار المخرج الإيراني جمال شورجة لقيادة هذا العمل لم يكن تفصيلاً عابرًا. فالنظرة القادمة من خارج الجغرافيا المحلية منحت الفيلم مسافة تأملية، سمحت بتفكيك الحدث التاريخي بعيدًا عن الانفعال الخطابي أو النزعة التمجيدية. الكاميرا هنا لا تبحث عن البطل المنتصر، بل عن الإنسان داخل السلطة، وعن المدينة وهي تتآكل من الداخل قبل أن تسقط بالقوة.
قسنطينة، في الفيلم، ليست خلفية للأحداث فقط، بل شخصية قائمة بذاتها؛ مدينة تراقب مصيرها، تتنفس القلق، وتختزن الهزيمة القادمة في صمت الجدران والجسور.
يقدّم الفنان محمد طاهر زاوي أداءً يتسم بالهدوء والانضباط، متكئًا على التعبير الداخلي أكثر من الخطابة، في تجسيد شخصية أحمد باي. أداء يحاول الإمساك بالتناقضات النفسية لرجل دولة يدرك قرب النهاية، لكنه يرفض الاستسلام السهل.
ويحضر في العمل أيضًا أثر الراحلة ريم غزالي، التي تركت بصمتها الخاصة، مؤكدة مرة أخرى أن حضورها الفني كان دائمًا مرتبطًا بالأدوار التي تحمل بعدًا إنسانيًا ورمزيًا، لا مجرد وظيفة درامية عابرة.
على المستوى الجمالي، يعتمد الفيلم على مشاهد طويلة وإيقاع متأنٍّ، يمنح الصورة حقها في بناء المعنى. فالذاكرة هنا لا تُستدعى بالصوت المرتفع، بل بالصورة، وبالفراغ، وبالزمن الممتد، وكأن الفيلم يصرّ على أن سقوط المدن لا يحدث فجأة، بل يتراكم بصمت.
يُسجَّل لفيلم “أحمد باي” أنه يندرج ضمن محاولات جادة لإعادة طرح علاقة السينما الجزائرية بتاريخها، بعيدًا عن الاستهلاك المناسباتي. هو فيلم قد يُختلف حوله فنيًا، لكن لا يمكن إنكار شجاعته في الاقتراب من منطقة حساسة، وفي التعامل مع التاريخ بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا إجابة نهائية.
في المحصلة، لا يقدّم الفيلم أحمد باي كخاتمة مجيدة، بل كعلامة على مرحلة كاملة من التحولات، حين كانت الهزيمة نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية، أكثر منها لحظة سقوط واحدة. وهنا، تحديدًا، تلتقي السينما مع الذاكرة، لا لتقديسها، بل لمساءلتها.
