جدلية القناع والوجود–
بقلم أ.عبد العالي لعجايلية/
______________________________

في صميم المجتمعات البشرية، يتجذّر سؤال القناع كإحدى أعقد معضلات الوجود؛ فلا يكاد الإنسان ينجو من امتحان الوجه الذي يقدّمه للآخرين: براءة تُلمَّع، حبّ يُقاس، معرفة تُستعار، أو نفاق يُصقَل حتى لا يجرح العين. لم يعد القناع زينة عابرة، بل صار جلدًا ثانيًا، ووسيطًا حذرًا بين ذاتٍ هشّة وعينٍ لا ترحم.
عبر الأزمنة، استعان الإنسان بالقناع استعانة الغريق بخشبة؛ ارتداه طقسًا لدرء المجهول، ورمزًا لمصالحة الخوف، من أقنعة الأسلاف التي فاوضت الأرواح، إلى ليالي «الماسكاراد» حيث يُرخَّص للكذب أن يرقص، إلى أقنعة السلطة والعرق والاحتجاج، وصولًا إلى العصر الرقمي حيث تتكفّل الوجوه الافتراضية بتمثيلنا، وتنطق الإيماءات الجاهزة بما نعجز عن قوله. لكل عصر قناعه، ولكل جماعة لغتها في التمويه، وحدودها في القبول والنبذ.
غير أن المأزق لا يقيم في القناع، بل في تلك اللحظة الخفيّة التي ينسى فيها الإنسان ملامحه الأولى. هناك، حيث تتسرّب الذات من بين الأصابع، تتلاشى الفواصل بين الأصل والصورة، فيغدو الوعي مرآةً مشروخة، ويصير القلب ساحة تفاوض بين ما يُحَسّ وما يُسمَح بإعلانه. يمنح القناع طمأنينة كاذبة، كمسكّنٍ يهدّئ الألم ولا يشفي العلّة، ويترك في الداخل شرخًا صامتًا لا يُرى، لكنه يُنهك.
وهكذا تتحوّل الهوية إلى مسرحٍ دائم الإضاءة، يُعاد فيه الدور ذاته حتى البِلَى. يُملي الجمع ما يُحبّ وما يُكره، ما يُقال وما يُكتم، وما يُؤمَن به كي لا يُدان. ومع كل امتثال، ينكمش العُري الوجودي خطوة، ويغدو الاختلاف شبهة، والفرادة نشازًا، والصدق مخاطرة بلا ضمان.
في هذا الأفق، تنقلب الأقنعة من اختيارٍ مؤقّت إلى مصيرٍ مُحكم، ومن درعٍ واقٍ إلى قفصٍ شفّاف. لا يُقصى الإنسان بالعنف، بل بالتشابه؛ لا يُمحى بالصراخ، بل بالتكرار. فيغدو الفرد تجربةً آدمية في مختبر القطيع، نسخةً مصقولة من قالب واحد، يتحرّك بكفاءة، ويغيب بمعنى.
ويبقى السؤال، كجمرةٍ تحت الرماد:
هل نرتدي الأقنعة اتّقاءً لسطوة المجتمع، أم لأننا فقدنا الشجاعة الكافية لملاقاة ذواتنا بلا ستار؟
