“بني قلال”… حين تتحول الكوميديا إلى مرآة للواقع الاجتماعي
_________________بقلم بوبكر بلعيد

في خضم الإنتاجات التلفزيونية التي تراهن في الغالب على الكوميديا السريعة القائمة على الإضحاك المباشر، تظهر بعض الأعمال التي تحاول أن تمنح الكوميديا بُعدًا آخر يتجاوز حدود الترفيه، ليقترب أكثر من هموم المجتمع وتناقضاته. وفي هذا الإطار، تبرز سلسلة “بني قلال” كتجربة كوميدية تسعى إلى ملامسة بعض الانشغالات الاجتماعية التي يعيشها الفرد الجزائري، خاصة فئة الشباب.تنطلق السلسلة من مواقف يومية بسيطة، لكنها تحمل في عمقها إشارات إلى واقع اجتماعي معقد. فالسعي إلى تحسين الظروف المعيشية أو تحقيق بعض الحقوق الأساسية يتحول في كثير من الأحيان إلى طموح يصطدم بعقبات الواقع، وهو ما يجعل الكوميديا في هذا العمل وسيلة لقراءة مفارقات الحياة اليومية. هنا لا يقتصر الضحك على كونه غاية في حد ذاته، بل يصبح أداة فنية للتعبير عن تناقضات المجتمع بطريقة ساخرة وخفيفة في آن واحد.من الناحية الدرامية، تعتمد “بني قلال” على بناء مواقف كوميدية مستمدة من البيئة الاجتماعية المحلية، وهو ما يمنح العمل قدرًا من الألفة لدى المتلقي. فالأحداث لا تقوم على حبكات معقدة بقدر ما تنبني على يوميات بسيطة تتطور داخل إطار كوميدي، الأمر الذي يسمح للمشاهد بأن يرى جزءًا من واقعه داخل هذه الشخصيات والمواقف. هذا القرب من الواقع يمثل أحد عناصر قوة السلسلة، لأنها تنجح في عكس بعض ملامح الحياة الاجتماعية بأسلوب ساخر لكنه مفهوم وقريب من الحس الشعبي.أما على مستوى الإخراج، فيبدو أن العمل يحافظ على وحدة أسلوبية واضحة في تقنياته البصرية، حيث يعتمد إيقاعًا بسيطًا يتماشى مع طبيعة الكوميديا التلفزيونية القائمة على سرعة الموقف وتتابع النكت البصرية واللفظية. كما أن تنظيم المشاهد وطريقة إدارة الممثلين يعكسان وجود رؤية إخراجية تحاول الحفاظ على توازن بين السرد الكوميدي والبعد الواقعي للأحداث، دون الوقوع في المبالغة أو التصنع.وعلى مستوى الأداء التمثيلي، نجح أغلب الممثلين في بناء كركتيرات واضحة المعالم، حيث استطاع كل ممثل أن يمنح شخصيته خصوصية في الأداء والسلوك. فالكركتير الكوميدي يعتمد غالبًا على تضخيم بعض الصفات أو السلوكيات، وهو ما يساهم في خلق الموقف الضاحك ويمنح الشخصيات حضورًا مميزًا داخل العمل.ورغم الجهد الفني الذي يبدو واضحًا على مستوى الفكرة والتنفيذ، فإن السلسلة تبدو وكأنها لم تحظَ بالترويج الإعلامي الكافي الذي يسمح لها بالوصول إلى شريحة أوسع من الجمهور. فنجاح الأعمال التلفزيونية لا يرتبط فقط بجودتها الفنية، بل يحتاج أيضًا إلى دعم إعلامي وتسويقي قادر على إيصالها إلى المتلقي وتعزيز حضورها في الفضاء السمعي البصري.في المحصلة، يمكن اعتبار “بني قلال” تجربة كوميدية تحمل قدرًا من الوعي الاجتماعي، وتحاول أن تقدم صورة ساخرة عن بعض تعقيدات الواقع الجزائري من خلال مواقف بسيطة لكنها معبّرة. وهو ما يجعلها تجربة تستحق مزيدًا من الاهتمام النقدي والإعلامي، خاصة في سياق البحث عن أعمال كوميدية تجمع بين الترفيه والبعد الاجتماعي، وتعيد للكوميديا دورها كفن قادر على قراءة المجتمع بذكاء وسخرية.
