في ذكرى اغتياله الثانية والثلاثين… عبد القادر علولة: المسرح الذي قاوم الرصاصب

_____________________قلم بوبكر بلعيد

1773254772180 15686
1773254772180 15686

تمرّ اليوم الذكرى الثانية والثلاثون على اغتيال أحد أبرز أعمدة المسرح الجزائري، الفنان والمخرج المسرحي عبد القادر علولة، الذي سقط ضحية رصاص الإرهاب يوم اغتيال عبد القادر علولة بمدينة وهران سنة 1994، في مرحلة كانت الجزائر تعيش فيها واحدة من أكثر فتراتها ظلمة وألمًا.لم يكن علولة مجرد فنان مسرحي، بل كان مشروعًا ثقافيًا كاملاً. رجلٌ آمن بأن المسرح ليس مجرد خشبة للفرجة، بل فضاء للتفكير والنقد والتنوير. ومن خلال أعماله استطاع أن يمنح المسرح الجزائري صوتًا شعبيًا نابضًا بالحياة، وأن يحوّل الكلمة المسرحية إلى مرآة تعكس هموم المجتمع وتناقضاته.ولد عبد القادر علولة سنة 1939 بمدينة الغزوات بولاية تلمسان، قبل أن يشق طريقه في عالم المسرح منذ ستينيات القرن الماضي. وقد ارتبط اسمه بالمسرح الجاد الذي يستلهم الواقع الجزائري ويغوص في تفاصيله الاجتماعية والسياسية. فكانت أعماله بمثابة شهادة فنية على تحولات المجتمع، وعلى صراع الإنسان البسيط مع السلطة والبيروقراطية والظلم الاجتماعي.وقد ترك علولة بصمة فنية خالدة من خلال عدد من المسرحيات التي أصبحت علامات في تاريخ المسرح الجزائري، مثل مسرحية الأجواد واللثام والعلق، حيث استطاع عبرها أن يمزج بين التراث الشعبي وتقنيات المسرح الحديث، مستلهمًا روح “الحلقة” والسرد الشعبي ليصنع لغة مسرحية خاصة به، لغة قريبة من الجمهور ومشبعة بعمق فكري وجمالي.كان علولة يؤمن بأن المسرح يجب أن ينزل إلى الناس، وأن يخاطبهم بلغتهم وهمومهم اليومية. لذلك لم يكن غريبًا أن تصبح أعماله جزءًا من الذاكرة الثقافية الجزائرية، وأن تتحول بعض شخصياته إلى رموز اجتماعية تعبّر عن فئات واسعة من المجتمع.لكن صوت المسرح الذي حمله علولة لم يَرُق لقوى الظلام التي أرادت إسكات كل صوت ثقافي حر. ففي العاشر من مارس 1994، تعرّض لاعتداء إرهابي أمام منزله في وهران، ليرحل بعدها متأثرًا بجراحه، تاركًا خلفه فراغًا كبيرًا في الساحة الثقافية الجزائرية.ومع ذلك، لم يكن اغتيال علولة نهاية حضوره، بل بداية تحوّله إلى رمز ثقافي للمقاومة الفنية. فقد بقيت نصوصه وأفكاره حيّة في ذاكرة المسرح الجزائري، واستمرت أعماله تُدرَّس وتُعرض وتُناقش، باعتبارها جزءًا من التراث المسرحي الوطني.اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على رحيله، يظل اسم عبد القادر علولة حاضرًا بقوة في وجدان الفنانين والمثقفين. فالرجل الذي آمن بالمسرح كرسالة إنسانية ترك لنا إرثًا فنيًا وفكريًا يذكّرنا بأن الثقافة قادرة على مواجهة العنف، وأن الكلمة الحرة قد تُحاصَر لكنها لا تموت.إن استحضار ذكرى علولة ليس مجرد وفاء لفنان كبير، بل هو أيضًا تذكير بأهمية حماية الثقافة والفن، باعتبارهما خط الدفاع الأول عن الوعي والحرية في المجتمع. فالمسرح الذي حلم به علولة كان مسرحًا للإنسان، للعدالة، وللكرامة.وها هي السنوات تمضي، لكن صدى صوته ما يزال يتردد فوق خشبات المسرح، وكأن علولة لم يغادرنا أبدًا. لأن الفنان الحقيقي لا يموت، بل يتحول إلى ذاكرة حيّة تسكن وجدان الأمة.