تمرد الروح في عصر الآلة-

بقلم أ. عبد العالي لعجايلية_______________


كأنّ الروح منذ البدء لم تكن سوى صرخةٍ ضلّت طريقها في صمت الكون. صرخةٌ لم يرتدّ صداها، فاستقرّت في تجاويف الوعي، لا كوجعٍ عابر، بل كحِملٍ خفيّ يثقل القلب بقدر ما يفقد الإنسان شيئًا من إنسانيته تحت وطأة زمنٍ صار أكثر صلابةً من أن يُلمس.

في هذا الوجود المتخم بالضجيج، حيث تختلط الأصوات حتى يكاد السكون يختنق، تسير الأرواح كأوراقٍ لم يسقطها الخريف وحده، بل أنهكتها رياح الاستهلاك قبل أوانها. لا نعرف من أين جئنا، ولا إلى أين نمضي، لكننا نشعر بثقل الطريق… كأننا نحمل في أعماقنا ذاكرةً غامضة لنورٍ بعيد، طمسته فوضى العصر.

لم يعد الليل مرآةً لهشاشتنا فحسب؛ بل صار اتساعًا كثيفًا يبتلع أسئلتنا المعلّقة. تحت عباءته تتكاثر الأسئلة كما تتكاثر النجوم في سماءٍ قلقة: لماذا يبدو العالم ممتلئًا بالأقنعة؟ ولماذا يشبه الفرح فيه ومضةً عابرة، تلمع لحظة ثم تنطفئ قبل أن ندرك معناها؟

في زوايا هذا المسرح المأساوي، لا نرى طفلًا جائعًا فحسب، بل نلمح براءةً تتآكل بصمت. وعلى مقربةٍ منه تقف أمٌّ تنظر إلى السماء بعينين مثقلتين، لا طلبًا لمعجزةٍ غيبية، بل احتجاجًا صامتًا على قسوة عالمٍ فقد توازنه. وفي مكانٍ آخر، إنسانٌ يحمل في صدره جرحًا لم يصنعه الفقد وحده، بل صنعته خيبة الوعي حين يكتشف أن الزمن لا يداوي كل شيء.

هكذا يبدو العالم أحيانًا: مختبرًا واسعًا تُكتب فصوله بمداد الاغتراب. كلّ ذاتٍ فيه تؤدي دورها في صمت، ثم تنسحب من المشهد دون أن تجرؤ على السؤال: لماذا؟

ومع ذلك…

ليس الألم لعنةً خالصة كما نتصوّر. ففي أعماقه شرارةٌ خفية توقظ الروح من سباتها. إنه العلامة الوحيدة التي تخبرنا أننا لم نتحول بعد إلى كائنات باردة. الألم هو المطرقة التي تكسر الأقنعة، وهو النداء الذي يعيد الإنسان إلى ذاته حين يوشك أن يضيع في زحام الحياة.

ربما لهذا السبب لم يمت الإنسان تمامًا. فبين ركام الأنظمة الجافة، وبين رماد الأحلام المؤجلة، ثمة نبضةٌ صغيرة ترفض الصمت… نبضةٌ تشبه قلبًا يواصل الخفقان في جسدٍ ظنه الجميع قد استسلم.

ليست تلك النبضة وعدًا بالخلاص، بل إعلانًا خافتًا بأن الطريق الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل. هناك، حيث لا يصل ضجيج العالم، يبدأ الإنسان معركته الأصعب: معركة استرداد ذاته من بين الأشياء.

فالوجود، في جوهره، ليس متاهةً نبحث فيها عن العالم، بل امتحانٌ خفيّ نكتشف فيه من نكون حقًا وسط هذا الطوفان من الصور والأوهام.

ولهذا لم يكن الألم رفيقًا عابرًا، بل شرارة الوعي الأولى. النور الذي ننتظره من السماء قد لا يأتي أبدًا، لأنه ربما كان منذ البداية كامناً في أعماقنا، ينتظر فقط لحظة الصدق كي يشتعل.

أما هذا العالم، فليس ساحةً للغلبة بقدر ما هو امتحانٌ قاسٍ للبقاء إنسانيين. فإن كانت العقول قادرةً على ابتكار أدوات الهيمنة، فإن الأرواح مطالبة اليوم بابتكار لغةٍ أخرى للرحمة؛ لغةٍ لا تقوم على الشفقة، بل على إدراك عميق بأن مصير الإنسان واحد مهما تفرّقت طرقه.

المأساة الحقيقية ليست في الألم…

بل في أن يعتاد الإنسان الظلام حتى ينسى أن النور كان يومًا ممكنًا.

وحين يحدث ذلك، لا نعود نسكن الليل…
بل يصبح الليل هو الذي يسكننا.