القراءة كفعل وجودي… حين تكون حكمة “انتقِ واقرأ” موقفًا من الحياة-

بقلم خليفة عبد السلام__________________

ليست القراءة ترفا ثقافيًا ولا عادةً مدرسية تُمارس في أوقات الفراغ، بل هي في جوهرها فعل وجودي يعيد تشكيل الإنسان من الداخل. إنها لحظة مواجهة بين الذات والعالم، بين السؤال والمعنى، بين الجهل وإرادة المعرفة.. فالكتاب لا يقدّم أجوبة جاهزة بقدر ما يوقظ فينا القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة
منذ فجر الحضارات، لم تكن القراءة مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل كانت أداة لتحرير الوعي. فالإنسان القارئ لا يكتفي بأن يرى الواقع كما هو، بل يسعى إلى فهم ما وراءه، إلى تفكيك بنياته، إلى مساءلة مسلماته. وهنا تكمن قوتها” إنها لا تُعلمنا ماذا نفكر، بل كيف نفكر”
غير أن الإشكال العميق في عصرنا لا يكمن في ندرة المعرفة، بل في فيضها الهائل. لقد أصبح الإنسان محاصرا بكم لا نهائي من النصوص، حتى باتت القراءة نفسها مهددة بأن تتحول إلى استهلاك سطحي، سريع، ومجزأ. ومن هنا تبرز الحكمة الخالدة: “انتقِ واقرأ”، لا بوصفها نصيحة عابرة، بل كفلسفة في التعامل مع المعرفة
فالاختيار في القراءة هو في حقيقته اختيار للذات التي نريد أن نكونها. كل كتاب نقرؤه يترك أثرا خفيا في وعينا، يعيد ترتيب أفكارنا، ويُسهم في تشكيل رؤيتنا للعالم. لذلك، فإن القارئ الذي لا ينتقي، إنما يترك وعيه عرضة للتشكّل العشوائي، بينما القارئ الواعي يمارس نوعا من السيادة الفكرية، يختار ما يغذي عقله ويرتقي بذائقته
ثم إن القراءة العميقة ليست مجرد عبور سريع فوق الكلمات، بل هي غوصٌ في المعاني، وتأمل في السياقات، وحوار صامت مع الكاتب. إنها فعل بطيء في زمن السرعة، وتأمل في زمن الضجيج، ومقاومة صامتة لسطحية العصر. ومن هنا، تصبح القراءة موقفًا أخلاقيا أيضا، لأنها ترفض الانجرار وراء التفاهة، وتبحث عن الحقيقة في عمقها لا في سطحها
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات ليس الجهل، بل وهم المعرفة. حين يظن الإنسان أنه يعرف لأنه يقرأ كثيرًا دون وعي أو تمحيص، فإنه يقع في فخ السطحية المتخفية في ثوب الثقافة. وهنا تتجلى أهمية الجمع بين القراءة والاختيار- فليس كل ما يُقرأ يُفيد، وليس كل ما يُنشر يستحق أن يُستهلك
القراءة ليست مجرد فعل عقلي، بل هي مشروع حياة. هي رحلة مستمرة نحو فهم الذات والعالم، نحو بناء إنسان أكثر وعيًا وحرية. وبين ضجيج النصوص وتزاحم المعاني، تبقى الحكمة الأعمق: اقرأ… لكن اختر ما يجعلك أكثر إنسانية، أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على أن تكون نفسك.