حين تتحول الكتابة إلى ضجيج… يبحث عن الصدى ___
بقلم خليفة عبد السلام ________________

في زمنٍ لم تعد فيه الكتابة امتيازا نادرا ولا استثناء، بل ممارسة يومية متاحة للجميع، ظهرت مفارقة صادمة -لم يعد السؤال “ماذا نكتب؟” بل “لماذا نكتب أصلًا؟”. وبين هذا السؤال وواقع النصوص المتكاثرة يتكشف خلل عميق.. تحوّلت الكتابة من ضرورة داخلية إلى عادة شكلية، ومن وسيلة للتعبير إلى غاية بحد ذاتها
كان الكاتب، في جوهره، كائنا مأزوما بالأفكار، تحاصره من كل الوجهات أسئلة لا يجد منها مخرجا إلا عبر اللغة وكانت الكتابة لديه فعل نجاة، لا ترفًا. أما اليوم، فقد انقلب المشهد- صار كثيرون يكتبون لا لأن لديهم ما يقولونه، بل لأنهم يخشون أن لا يُقال عنهم “كُتّاب” وهنا تبدأ الجريمة الهادئة، حيث يصبح اللقب أهم من المعنى، والممارسة أهم من الرسالة
وحينها فقد الكتابة ضرورتها، الكتابة التي لا تنبع من حاجة داخلية تتحول إلى تكرار بارد. نصوص تُنتج بسرعة، تُستهلك بسرعة، وتُنسى بسرعة أكبر. يغيب التأمل، يتراجع البحث، وتختفي تلك الشرارة التي كانت تمنح الكلمات قدرتها على البقاء. وهكذا، لا نواجه نقصًا في النصوص، بل تضخمًا في الفراغ
فالكاتب الحقيقي لا يكتب لأنه يريد، بل لأنه لا يستطيع ألا يكتب. أما حين تصبح الكتابة خيارا سهلا يُمارس يوميًا دون مساءلة، فإنها تفقد معناها، وتتحول إلى طقس خالي الروح
ومنه تصبح الكتابة كقناع… لا ككشف، وفي عمق هذه الظاهرة يكمن خوف إنساني قديم- الخوف من العدم
يكتب البعض كما لو أنهم يضعون بصمة على الزمن، يصرخون بصمت: “نحن هنا”. لكن المفارقة أن هذه النصوص، بدل أن تثبت الوجود، تكشف خواءه. فالكتابة التي تُستخدم كقناع، لا تكشف الحقيقة، بل تخفيها.
الكاتب الذي يهرب من داخله، لن يجد نفسه في نصوصه, سيظل يدور في حلقة من الكلمات التي لا تشير إلا إلى غياب المعنى
ومع الوفرة الغزيرة للنصوص تتآكل اللغة، ومع هذا الفيضان من الكتابة، لم تعد اللغة كما كانت. الكلمات تُستهلك بلا ضرورة، تُكرر حتى تفقد دهشتها، وتُستخدم حتى تفرغ من قوتها. وهنا لا تكمن الخطورة فقط في رداءة النصوص، بل في إفساد علاقتنا بالكلمة نفسها
القارئ يتبلّد، لا يعود يميز بين ما يُكتب بصدق وما يُنتج كعادة. والكاتب، في المقابل قد يقع في وهم الإنتاج، معتقدا أن الكثرة تعني القيمة، بينما الحقيقة أن الإفراط في الكتابة قد يكون دليلا على غيابها!
كأننا تناسينا أو تجاهلنا أن الكتابة فعل أخلاقي، أن تكتب – ليس مجرد فعل تقني، بل موقف.. هو اختيار أن تقول شيئًا يستحق أن يُقال، وأن تتحمل مسؤولية أثره وفي كثير من الأحيان يكون الامتناع عن الكتابة أكثر نزاهة من ملء الفراغ بنصوص بلا روح، فالكتابة الحقيقية لا تُقاس بعدد الكلمات، بل بوزنها وليست في كثرة النصوص، بل في قدرتها على أن تترك أثرًا، أن تزعج، أن توقظ، أن تغيّر
وعلى إثر هذا السقوط يصبح واجبا استعادة المعنى -فالصدمة التي يجب مواجهتها هي أن الكتابة كما تُمارس اليوم في كثير من الأحيان لم تعد تعبيرًا عن الامتلاء، بل عن الفراغ
ولذلك، فإن استعادة قيمتها لا تبدأ بكتابة المزيد، بل بطرح سؤال بسيط وقاسٍ:
هل ما نكتبه ضرورة… أم مجرد ضجيج؟!
حين نمتلك شجاعة هذا السؤال، فقط -يمكن أن يعود الكاتب كاتبًا، وتعود الكتابة إلى مكانها الطبيعي” وسيلة لكشف الحقيقة، لا للهروب منها”.
