من ثنائية سوسير إلى ثلاثية بيرس: هل أُسيء فهم اعتباطية العلامة أم أُعيد تأويلها؟ قراءة إبستمولوجية في بنية العلامة السيميائية_________

بقلم د. محمد عبدالله الخولي _________________


ليست قضية اعتباطية العلامة عند فردينان دو سوسير مجرد مسألة تعريف اصطلاحي داخل اللسانيات الحديثة، بل هي واحدة من أكثر النقاط التي ولّدت التباساً إبستمولوجياً في تاريخ السيميائيات المعاصرة. فالتصور الشائع يقرر أن العلامة السوسيرية ثنائية، تتكوّن من دال ومدلول، في مقابل العلامة البيرسية التي تُعدّ ثلاثية البنية، تضمّ الممثل (Representamen) والموضوع (Object) والمؤوِّل (Interpretant). غير أن قراءة دقيقة لنصوص سوسير تكشف أن هذا التقابل الحاد بين الثنائية والثلاثية ربما نشأ من تبسيط لاحق أكثر مما نشأ من جوهر مشروع سوسير نفسه.
لقد استبدل سوسير مفهومي “الصوت” و”الفكرة” بمصطلحي الدال والمدلول، لا بوصفهما عنصرين منفصلين، بل باعتبارهما وجهين لكيان نفسي واحد هو العلامة. فالدال ليس الصوت الفيزيائي، بل الصورة الأكوستيكية؛ والمدلول ليس الشيء في العالم، بل المفهوم الذهني. بهذا المعنى، فالعلامة عنده ليست علاقة بين مادة وفكرة، بل علاقة داخل الوعي اللغوي ذاته. غير أن الإشكال يبدأ عند حديثه عن الرابط بينهما، الذي وصفه بالاعتباطي.
الاعتباطية هنا لم تكن نفياً للعلاقة، بل نفياً لضرورتها الطبيعية. أي أن الرابط موجود، لكنه غير مبرَّر طبيعياً. وهذا التفريق بالغ الأهمية؛ لأن وجود علاقة غير مبرَّرة لا يعني غيابها، بل يعني أنها مؤسسة اجتماعياً وتاريخياً. ومن هنا يظهر السؤال: إذا كان الرابط جزءاً ضرورياً لوجود العلامة، فلماذا لا يُعدّ مكوّناً ثالثاً فيها؟
الجواب التقليدي يرى أن سوسير لم يمنح العلاقة استقلالاً أنطولوجياً؛ فهي ليست عنصراً قائماً بذاته، بل مبدأ تنظيمي داخلي. غير أن هذا الجواب نفسه يفتح باباً لإعادة التفكير: فالرابط، حتى وإن لم يُصنَّف عنصراً مستقلاً، يؤدي وظيفة تأويلية فعلية، لأنه ما يجعل الدال يحيل إلى مدلول دون غيره. وهنا تقترب العلامة السوسيرية، وظيفياً على الأقل، من البنية الثلاثية عند بيرس.
إن الفرق الحقيقي بين المشروعين لا يكمن في عدد العناصر بقدر ما يكمن في موضع التأويل. فبيرس يجعل المؤوِّل مكوّناً صريحاً من مكونات العلامة، ويطلق سيرورة لا نهائية من التأويلات (semiosis)، بينما يحاول سوسير ضبط العلامة داخل نسق اللغة بوصفها نظاماً من الفروق. لكن paradox المشروع السوسيري يظهر حين نقرأ تمييزه بين اللغة (langue) والكلام (parole)؛ إذ يضع النظام في الأولى، ويترك الفعل الاستعمالي في الثانية. وهنا تحديداً ينفلت الرابط من الصرامة النسقية، لأن تحقق العلاقة بين الدال والمدلول لا يحدث إلا في الاستعمال، أي في الكلام والأسلوب والسياق.
بهذا المعنى، فإن ما يبدو ثنائية في مستوى النسق يتحول عملياً إلى بنية ثلاثية في مستوى الإنجاز. فالدال والمدلول لا يلتقيان إلا عبر فعل تحقق، وهذا الفعل هو ما يمكن اعتباره مكافئاً وظيفياً للمؤول البيرسي، وإن لم يسمّه سوسير كذلك. إن سوسير لم ينف المؤول، بل أخفاه داخل آلية الاشتغال اللغوي.
ومن هنا يمكن فهم عبارته الشهيرة التي تبدو متناقضة ظاهرياً: فحين يؤكد أن الدال ليس أمراً صوتياً بل كياناً مجرداً قائماً على الفروق، فإنه ينزع عن العلامة ماديتها المباشرة ليجعلها علاقة اختلافية داخل نظام. غير أن الاختلاف نفسه لا يعمل إلا عبر إدراك واعٍ، أي عبر عملية تأويل مستمرة. فالعلامة لا تُعرّف بما هي عليه، بل بما ليست عليه، وهذا التعريف السلبي يستدعي دائماً وعياً ينجزه.
إن الإشكال إذن لا يعود إلى تناقض عند سوسير، بل إلى انتقال نصوصه عبر وسائط تعليمية اختزلت مشروعه في صيغ مدرسية. فـ«دروس في اللسانيات العامة» لم يكتبها سوسير بنفسه، بل جُمعت من ملاحظات طلبته، وهو ما جعل كثيراً من دقائقه النظرية عرضة لإعادة التنظيم والتبسيط. وهكذا تحولت الثنائية السوسيرية إلى عقيدة تفسيرية، بينما كانت في الأصل استراتيجية منهجية لعزل موضوع اللسانيات، لا وصفاً نهائياً لطبيعة العلامة.
أما الآنية والتاريخية، فلم يقصد بهما سوسير حصر النص داخل لحظته الزمنية، بل الفصل التحليلي بين مستويين: دراسة النظام كما يعمل في لحظة معينة، ودراسة تحوله عبر الزمن. هذا الفصل كان إجرائياً لا أنطولوجياً، لكنه فُهم لاحقاً بوصفه إقصاءً للتاريخ، وهو ما عمّق سوء الفهم ذاته الذي فصل الثنائية عن بعدها الديناميكي.
يمكن القول في النهاية إن العلامة عند سوسير ليست ثنائية خالصة ولا ثلاثية صريحة، بل بنية ثنائية من حيث التعريف، ثلاثية من حيث الاشتغال. فالدال والمدلول يكوّنان وحدة نظرية، لكن الرابط الذي يجمعهما يتحقق عبر فعل استعمالي وتأويلي لا يمكن تجاهله. ومن هنا يبدو التقابل بين سوسير وبيرس أقل حدّة مما اعتادت السيميائيات المدرسية تصويره؛ فكلاهما كان يسعى إلى فهم كيفية إنتاج المعنى، غير أن أحدهما بدأ من بنية النسق، بينما بدأ الآخر من دينامية التأويل.
وهكذا لا يكون السؤال: هل أخطأ سوسير أم ناقض نفسه؟ بل: هل قرأنا سوسير عبر اختزال بنيوي لاحق حجب أفق مشروعه الأوسع؟ وربما يكون التصحيح الحقيقي هو إعادة النظر في العلامة لا باعتبارها معادلة عددية لعناصر، بل باعتبارها حدثاً معرفياً يتولد عند نقطة التقاء النظام بالفعل، والبنية بالتأويل، واللغة بالحياة.