غَسَقُ الكَيان: مَنازلُ الظلِّ والصِّراع_______
بقلم أ.عبد العالي لعجايلية___________

في هجعة الليل، حين يثقل الصمت حتى يُشبه حضورًا فعليًا، لا يعود الإنسان في مواجهة فراغ، بل في مواجهة نفسه. يتكاثف السكون كقوة ضغط داخلية، تكشف أن ما نظنه استقرارًا ليس سوى هدنة مؤقتة مع توتر خفيّ يسكن الداخل.
في تلك اللحظة، لا يكون الجسد مادة محايدة، بل يصبح مساحة صراع بين حقيقتين: ما هو كائن فعلًا، وما يُراد له أن يبدو عليه. وتبدأ الهوية في التصدع، لا بفعل الخارج، بل بفعل التناقض الذي يسكنها.
الماضي في هذا السياق لا يظهر كذكرى، بل كبنية فاعلة. ليس ما مضى شيئًا نتركه خلفنا، بل نظام داخلي يعيد تشكيل الحاضر باستمرار. لذلك يبدو الحاضر أقل استقلالًا مما نتصور، وأكثر ارتباطًا بذاكرة لم تنتهِ وظيفتها بعد.
من هنا يظهر السؤال الحاسم: هل ما نعيشه من قيود مصدره الخارج فعلًا، أم أنه نتيجة هندسة داخلية لصورة الذات؟
عند هذه النقطة، تتحول الكتابة من وسيلة تعبير إلى أداة كشف. ليست الكتابة مساحة نجاة، بل شكلًا من المواجهة. ما يُكتب لا يظل خارج الكاتب، بل يعود ليعيد تشكيله.
تتغير العلاقة جذريًا: لم يعد الكاتب يستخدم النص، بل النص هو الذي يعيد إنتاج الكاتب وفق منطقه الخاص. كل جملة تصبح شكلًا من أشكال الانكشاف، لا التزيين.
وبالمثل، فإن ما يُسمى بالعزلة لا يحمل دائمًا معنى التحرر. العزلة، حين تُفصل عن الوعي، لا تنتج صفاءً، بل تعمّق التكرار الداخلي. يتحول الداخل إلى دائرة مغلقة تُعاد فيها نفس الأسئلة بلا خروج فعلي.
الصراع الحقيقي لا يقع بين الفرد والعالم، بل داخل المسافة الفاصلة بين الذات كما هي، والذات كما تُصاغ اجتماعيًا. هذه المسافة هي مصدر التوتر المستمر، وليست الأحداث الخارجية إلا محفزًا له.
ورغم قسوة هذا الانكشاف، فإن الكتابة تكشف وظيفة أخرى للألم: فهو ليس عائقًا، بل أداة إدراك. لا بوصفه معاناة، بل بوصفه طريقة لرؤية ما لا يظهر في الحالات المستقرة من الوعي.
لهذا لا تأتي الكتابة كخلاص، بل كتشريح. لا تعِد بالنجاة، بل تزيد من وضوح ما لم يكن مرئيًا.
في النهاية، لا يبدو أن الصراع قابل للإلغاء. لكن هذا ليس جوهر المشكلة. القيمة ليست في إنهائه، بل في القدرة على الاستمرار داخله دون إنكار، وتحويله من حالة انهيار إلى حالة فهم.
يبقى السؤال إذًا أقل ارتباطًا بالنجاة، وأكثر ارتباطًا بطريقة الرؤية: كيف يمكن للإنسان أن يرى ذاته دون أن يختزلها، وأن يواجه ظلّه دون أن يتحول إليه؟
