رحيل صوت العاطفة… وداعًا هاني شاكر____

بقلم بوبكر بلعيد ___________

في لحظةٍ يختلط فيها الحزن بالدهشة، يترجّل أحد آخر فرسان الأغنية العربية الكلاسيكية، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا لا يُقاس بالزمن بل بما زرعه في وجدان أجيال كاملة. برحيل هاني شاكر، لا نفقد مجرد مطرب، بل نخسر مدرسة كاملة في الإحساس، عنوانها الصدق، وملامحها الشجن النبيل.

كان صوته امتدادًا لزمنٍ كانت فيه الأغنية تُصاغ بعناية، وتُغنّى بروح، لا بضجيج. منذ بداياته، حمل هاني شاكر مشروعًا فنيًا واضح المعالم، حافظ فيه على هوية الأغنية الرومانسية العربية، وسط تحولات متسارعة كادت أن تعصف بذائقة الجمهور. لم يكن مجرد مؤدٍ، بل كان حارسًا لذاكرة موسيقية قاومت الاندثار.

في أغانيه، كانت الحكايات تُروى بصوتٍ دافئ، يلامس القلب دون استئذان. غنّى للحب، للفقد، للخذلان، وللأمل، فصار صوته مرآةً لمشاعر الناس البسطاء، أولئك الذين وجدوا فيه عزاءهم الجميل. لم يتصنّع يومًا، ولم يساوم على فنه، فبقي وفيًا لخطه، حتى في أصعب اللحظات.

وبرحيله، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: من يحمل المشعل بعده؟ من يحفظ لهذا اللون الغنائي مكانته في زمن السرعة والاستهلاك؟ لقد كان هاني شاكر شاهدًا على تحوّلات الفن العربي، ومقاومًا بصوته لكل ما هو عابر وزائل.

إننا اليوم لا نودّع فنانًا فقط، بل نودّع زمنًا كاملاً من الرقيّ الفني، زمنًا كانت فيه الكلمة تُحترم، واللحن يُبنى، والصوت يُقدَّس. سيبقى اسمه محفورًا في ذاكرة الأغنية العربية، وستبقى أعماله حيّة، تعاند الغياب، وتُثبت أن الفن الحقيقي لا يموت.
رحم الله هاني شاكر… صوتٌ صمت، لكن صداه لن ينطفئ.