بقلم أ.د لونيس بن علي

في حِوار للروائي الأمريكي (وليام فولكنر)، ترجمه إلى العربية (أحمد شافعي) استوقفتني هذه الجُملة: ((ولكن المهم هو “هاملت” و”حلم منتصف ليلة صيف” وليس من كتبها، المهم أنّ أحدا كتبها)). ثم استطرد صاحب (الصخب والعنف) قائلا بنبرة واضحة: ((الفنان نفسه عديم الأهمية. المهم فقط هو ما يبدعه، نظرا لأنه ما من شيء جديد يُمكن أن يُقال)).
لو أنّ ناقداً أدلى بمثل هذا التصريح لانشقت الأرض من تحت قدميه، ولاتُّهِم بالتحامل على المبدعين؛ غير أن هذا الكلام صدر عن روائي ذائع الصيت، وهو المتوج بجائزة نوبل للآداب عام 1949.
إن فكرة “فولكنر” بسيطة في مظهرها، لكنها تحمل في طياتها تصوراً نظرياً عميقاً حول علاقة الكاتب بالنص. فجوهر الأدب هو “العمل الأدبي” لا “المؤلف”، لأنّ ما يرسخ في ذاكرة القارئ في نهاية المطاف هو النص وحده، أما الأديب وسيرته فلا يشكلان قيمة جوهرية أمام الإبداع، فـ (الفنان نفسه عديم الأهمية)، وهذه الجملة لفولكنر.
وفي هذا الصدد، يعلم أهل الاختصاص أن نظرية الأدب قد خاضت طويلاً في هذه العلاقة الجدلية بين “الأديب” و”عمله”. ورغم تنوع الآراء والمذاهب التي تملأ المراجع، فإن ما يهمنا هو ملاحظة أن تاريخ الأدب ظل، في مجمله، رهين المقاربة “البيوغرافية” (السيرية)، التي تركز على سيرة الأديب لا سيرة النص.
لقد أدى التركيز على حياة الأديب إلى تهميش تاريخ الأعمال الأدبية ذاتها، وأغفل البحث في جمالياتها وسيرة تشكل “الأدبية” عبر العصور. فلا يزال الكثير من المشتغلين بالأدب يعتبرون حياة الكاتب المفتاح الأوحد لفهم نتاجه، مما يمنح السيرة الذاتية حيزاً طاغياً على حساب النص.
نحن لا نزعم أن هذه المقاربة خاطئة تماماً؛ فالعمل الأدبي يمتلك “نسباً” يعود إلى عصارة تجربة الكاتب وقراءاته، لكن مكمن الخطر يتجلى في جعل السيرة “العمود الفقري” لأي قراءة نقدية.
فمن أين ينبع العمل الأدبي؟ قد تبدو الإجابة البديهية “من الأديب”، لكن الواقع يطرح تساؤلات مربكة:
هناك تجارب كثيرة لنصوص اختلف المؤرخون الأدبيون في نسبتها إلى أديب بذاته؛ مثل (ألف ليلة وليلة)، ومثل (الأوديسة) و (الإليادة) فيما يُسمى بالقضية الهوميرية. كما أنّه حدث عبر التاريخ أن شكك النقاد في نسبة بعض الأعمال إلى أصحابها، مرتابين من جينات النص الأصلية، وقد ذكر (عبد الفتاح كيليطو) في كتابه (التخلي عن الأدب) مثالا ضمن أمثلة كثيرة، وهو مقامات الحريري. وفي نفس السياق، تحدث كيليطو عن متلازمة (إميل آجار)؛ وهي نسبة إلى قضية الروائي (رومان غاري) الذي فاز بجائزة الغونكور مرتين؛ مرة باسمه الحقيقي، ومرة باسم مستعار وهو (إميل أجار)، ليكتشف العالم، بعد رحيل الروائي (انتحاره)، أنّ (رومان غاري) و (إميل أجار) هما شخص واحِد، فلم يقدر النقاد الانتباه إلى هذه الحيلة الشيطانية.
المسألة ليست بسيطة كما يبدو. وقد نتفق هنا على أن حضور اسم الأديب على غلاف عمله الأدبي هو حضور قانوني بالدرجة الأولى، لكن ذلك لا يعني أن النص ينتسب إليه بالضرورة.
سيحتاج هذا الاستنتاج إلى توضيح أكثر. إذا عدنا إلى الطرح البنيوي فالمؤلف لا قيمة له في قراءة العمل الأدبي، ويكفي أن نظرية بأكملها سُميت بنظرية (موت المؤلف)، أما من المنظور الباختيني، فإنّ صوت الأديب هو صوت ضمن جوقة متنافرة من الأصوات، وموقفه هو جزء فقط من نسق حواري يضم آراء مختلفة ومتضاربة أحيانا. هل الأفعال التي في الرواية قد فعلها الروائي؟ هل البطولات التي في الرواية هي بطولات الروائي؟ هل أخلاق الشخصيات هي أخلاق الروائي؟ إننا نلمّح إلى فكرة جوهرية: الأديب مجرد نسّاج، بل أنّ اللغة التي يكتب بها مجرد إعارة.
لنعد إلى ما قاله (فولكنر) أعلاه، وهنا سنفهم جيدا قصده: ((الفنان نفسه عديم الأهمية. المهم فقط هو ما يبدعه، نظرا لأنه ما من شيء جديد يُمكن أن يقال)). (ما من شيء جديد يُمكن أن يقال): إنه يعيد صياغة ما هو موجود سلفا. ما ينتسب إلى الأديب هي الحِرفة والأسلوب، لهذا يسمى مؤلّفا (من التأليف بين الأشياء)، عدا ذلك فما يقوله قد قيل من قبله.