بقلم خليفة عبد السلام –

ليس من الصعب أن تجد في المشهد الثقافي من يتحدث لساعات عن التجديد والحداثة وكسر القوالب الجاهزة وضرورة الانفتاح على التجارب الجديدة، لكن الصعوبة الحقيقية تبدأ عندما يظهر مبدع حقيقي يفعل ذلك فعلا لا قولا.. عندها تتساقط الأقنعة على واقع أليم وينكشف الوجه الآخر للمشهد الثقافي
فالمثقف الذي يكرر ما قيل قبله يجد الترحيب والتصفيق.. أما الذي يغامر في مناطق جديدة ويبتكر لغة مختلفة ورؤية غير مألوفة فإنه غالبا ما يُستقبل بالشك والرفض وربما بالعداء الصريح، ليس لأن ما يقدمه ضعيف أو فارغ، بالعكس تماما- لأن حضوره يربك منظومة اعتادت على الطمأنينة التي يوفرها التكرار
إن الساحة الثقافية العربية تعاني من مفارقة تكاد تكون مرضا مزمنا؛ فهي تعلن عشقها للإبداع لكنها تمارس كراهيتها له عند أول اختبار حقيقي.. تتحدث عن الحرية الفكرية لكنها تضيق ذرعا بكل فكر لا يشبهها.. تدعو إلى التجديد لكنها تسارع إلى محاصرة المجددين، وكأن المطلوب من المبدع أن يكون جديدا بشرط ألا يزعج أحدا ومختلفا بشرط ألا يختلف كثيرا
في العمق لا يتعلق الأمر بالإبداع بقدر ما يتعلق بالسلطة الرمزية.. فكل فكرة جديدة هي تهديد ضمني لأصحاب اليقينيات القديمة وكل تجربة مغايرة تضع الأسماء المكرسة أمام سؤال محرج- ماذا لو لم تعد المرجعية حكرا علينا؟ لذلك يتحول الاختلاف إلى تهمة ويتحول النجاح الإبداعي أحيانا إلى سبب للاستهداف بدل أن يكون سببا للاحتفاء
وما إن يخرج أحدهم عن السرب حتى تبدأ ماكينة العقاب الثقافي عملها.. مرة عبر التجاهل المتعمد، ومرة عبر السخرية، ومرة أخرى عبر التشكيك في القيمة الفنية والفكرية للعمل وأحيانا عبر حملات منظمة لتقزيم المنجز وتحويل صاحبه إلى حالة شاذة يجب تحذير الآخرين منها.. إنها أليات دفاع تمارسها جماعات ثقافية تخشى التجديد أكثر مما تخشى الركود
المؤلم أن هذه الساحة لا تدرك أنها بذلك تنتقم من مستقبلها.. فالثقافة لا تتقدم بالمحافظين على القوالب ولكنها تتطور بأولئك الذين يكسرونها لأن التجربة تخبرنا أن كل منجز إبداعي كبير في التاريخ بدأ باعتباره خروجا على المألوف قبل أن يصبح لاحقا جزءا من التراث نفسه، غير أن البيئة الثقافية المصابة بالخوف من المختلف لا ترى في المبدع مشروعا للمستقبل وإنما تصنفه خطرا يهدد توازناتها ومصالحها وشبكات الاعتراف المتبادلة داخلها
لهذا يبدو المشهد أحيانا وكأنه يعيش حالة انفصام كاملة- شعاراته تتحدث عن الجمال بينما ممارساته تزدري الجمال عندما يأتي في هيئة غير متوقعة، لغته تمجد الحرية بينما سلوكه يعاقب الأحرار، ومنابره تحتفي بالابتكار نظريا لكنها تنفر من المبتكرين واقعيا
إن الثقافة التي تحتقر المبدعين ليست ثقافة حية مهما ادعت ذلك.. الثقافة الحية هي التي تسمح بظهور الأصوات المزعجة والأفكار غير المريحة والرؤى التي تربك السائد، أما حين يتحول المشهد الثقافي إلى قطيع يخاف كل من يبتعد عن مساره فإنه يتخلى عن وظيفته الأساسية ويصبح مجرد جهاز لإعادة إنتاج النسخ نفسها بأسماء مختلفة لذلك يتحول إلى ألية رصد وردع تشتغل في سبيل إدخال المختلف في الصف وضمه للمجموعة لكي يشبهها و يأخذ نفس مواصفات القطيع
وعندما يصل الأمر إلى هذه الدرجة يصبح السؤال الحقيقي ليس- لماذا يُقصى المبدعون؟ ولكن – كيف يمكن لثقافة تحارب التجديد أن تدّعي أنها تمثل الثقافة أصلا!؟