ربما لأن الإنسان لا يحب أن يرى نفسه كما هو، فيصنع صورة عن ذاته يستطيع العيش معها حتى وإن كانت هذه الصورة بعيدة عن حقيقته.. والمثقف ليس استثناء من هذا الميل الإنساني؛ فهو قد يتحدث عن الحرية والعدالة والكرامة، لا لأنه جسّدها في حياته وإنما لأن الحديث عنها يمنحه شعورا بأنه يقف في صفها وهكذا تتحول الثقافة من تجربة تهز الداخل وتعيد تشكيله إلى خطاب يمنح صاحبه راحة أخلاقية مؤقتة ويتيح له أن يبدو أفضل مما هو عليه
نحن لا نعاني فقرا في الكلمات وفضاؤنا الثقافي مزدحم بالحديث عن التنوير والعقل والاختلاف وحرية الرأي وحقوق الإنسان.. غير أن وفرة اللغة لا تعني دائما حضور المعنى فقد تتكاثر المفاهيم في الخطاب بينما يظل السلوك محكوما بالغرائز القديمة نفسها- الخوف والحسد وحب السيطرة والتعالي والرغبة في إقصاء المنافس، وهنا تظهر المفارقة- كلما ارتفع صوتنا في الدفاع عن القيم، ازداد عجزنا عن تطبيقها في التفاصيل الصغيرة.. نتحدث عن التسامح ثم لا نحتمل رأيا يخالفنا، ندافع عن حرية التعبير ثم نغضب حين يستخدمها شخص ما لنقد أفكارنا، نهاجم الاستبداد في السياسة ونمارسه في علاقاتنا اليومية وداخل الأسرة والحي والعمل والجامعة والصفحة الإلكترونية والجلسة الثقافية
يبدو أننا لا نرفض السلطة دائما وإنما نرفض وجودها في يد غيرنا ونعارض الإقصاء حين نكون خارجه ثم نبرره حين نمتلك القدرة على ممارسته ونطالب بفتح المنابر عندما تكون مغلقة أمامنا وما إن ندخلها حتى نتحول إلى حراس جدد لأبوابها وعندها نتحدث عن الخبرة والجودة والاستحقاق وضرورة التدرج، وكأن الثقافة قد بلغت نهايتها لحظة وصولنا
تكشف هذه الممارسات أن المشكلة ليست في غياب القيم عن وعينا وإنما في انفصالها عن تكويننا الأخلاقي.. فنحن نعرف ما ينبغي قوله غير أننا لا نعرف دائما كيف نحيا وفق ما نقول ونحفظ لغة العدالة لكننا نضيق بتبعاتها حين تتعارض مع مصالحنا ونؤمن بالمساواة في المقالات ثم نطالب بمعاملة خاصة في الواقع ونرفع قيمة التواضع فيما ننتظر من الآخرين أن يعترفوا باستثنائيتنا
ولعل أخطر ما تفعله الثقافة السطحية أنها لا تزيل عيوب الإنسان لكنها تمنحها أسماء أنيقة. فالمتكبر لا يرى في نفسه غرورا وإنما يسمي موقفه وعيا بقيمته، والحاسد لا يعترف بحسده بينما يقدمه في صورة تحفظ نقدي والانتهازي لا يقول إنه غير موقفه سعيا وراء المنفعة ولكنه يتحدث عن تطور رؤيته ونضج تجربته.، أما الصامت أمام الظلم فيصف صمته بالحكمة وانتظار اللحظة المناسبة وفهم تعقيدات الواقع
بهذا المعنى قد تزيد المعرفة قدرة الإنسان على خداع نفسه.. فالجاهل يمارس رذيلته بصورة عارية أما المثقف المنافق فيغطيها بالمفاهيم والمصطلحات، لا يكفيه أن يخطئ حيث يحتاج أيضا إلى نظرية تبرر خطأه ولا يكتفي بالسعي وراء مصلحته فيحول هذه المصلحة إلى موقف أخلاقي ثم يطلب من الاخرين احترامه عليها
إن الثقافة التي لا تُخضع صاحبها للمساءلة تتحول إلى أداة سلطة تمنحه شعورا بالتفوق على من لا يقرأون وتجعله ينظر إلى الناس من فوق كأن المعرفة رتبة اجتماعية لا مسؤولية إنسانية وحين تصبح الثقافة وسيلة لإنتاج المسافة بين المثقف ومجتمعه تفقد قدرتها على التحرير وتتحول إلى شكل اخر من أشكال الوصاية
بعض المثقفين لا يريدون مجتمعا يفكر لأن المجتمع الذي يفكر قد يتجاوزهم ولكنهم في الواقع يريدون جمهورا يصغي ويصفق ويعيد ترديد ما يقولونه. يتحدثون عن الوعي كما لو أنه ملكية خاصة ويتعاملون مع المحيط كأنهم تلاميذ دائمون في صف لا تنتهي حصته وحين يظهر صوت جديد لا يناقشوا ما يقدمه بقدر ما يتساءلوا عن حقه في الظهور، من هنا نفهم لماذا تتحول الساحة الثقافية في كثير من الأحيان إلى فضاء للصراع الشخصي يسوده الحسد وتبادل الإقصاء، تبدو المعارك في ظاهرها فكرية غير أن دوافعها الحقيقية قد تكون مرتبطة بجائزة أو دعوة أو منصب أو صورة في مهرجان.. وما إن تختفي المصلحة حتى تخمد الحماسة النقدية وكأن الحقيقة نفسها لا تظهر إلا عندما ينجح شخص لا نحبه
في هذا المناخ تصبح الجائزة نزيهة حين نفوز بها ومشبوهة حين تذهب إلى غيرنا، وتصبح المؤسسة محترمة حين تدعونا وفاسدة حين تتجاهل أسماءنا، ويصبح الكاتب الاخر مبدعا ما دام لا ينافسنا فإذا اقترب من موقع نريده اكتشفنا فجأة عيوب مشروعه وضعف لغته وسطحية تجربته.. نحن لا نراجع أفكار الاخرين دائما- أحيانا ننتقم من نجاحهم بلغة نقدية، وحتى علاقتنا بالقضايا الإنسانية تكشف جانبا من هذا التناقض.. نكتب عن الفقراء والمهمشين والعمال، لكننا قد نعجز عن احترام الإنسان البسيط الذي نلتقيه كل يوم ونتألم لمعاناة بعيدة تمنحنا فرصة التعبير ونغفل عن معاناة قريبة تتطلب منا موقفا عمليا وقد يكتب أحدهم صفحات عن الكرامة ثم يهين موظفا أو عاملا لأنه يعتقد أن موقعه الثقافي يمنحه حق التعالي- من السهل أن نحب الإنسان في الكتب، لأن إنسان الكتب لا يعارضنا ولا ينافسنا ولا يطالبنا بشيء، أما الإنسان الحقيقي بما يحمله من اختلاف وحاجة وصوت مستقل فهو الذي يضع ثقافتنا أمام امتحانها الحقيقي
الثقافة لا تظهر في علاقتنا بالأفكار وحدها وإنما تظهر في طريقة تعاملنا مع من لا نحتاج إليهم، تظهر في سلوكنا مع العامل والنادل والطالب والمرأة والطفل والخصم والكاتب المبتدئ.. تظهر حين لا توجد كاميرا ولا جمهور ولا فرصة للحصول على الإعجاب
في هذه اللحظات تسقط الصورة التي صنعناها عن أنفسنا ويظهر ما فعلته المعرفة في أعماقنا.. هل جعلتنا أكثر رحمة؟ هل منحتنا القدرة على الاعتراف بالخطأ؟ هل خففت من قسوتنا؟ هل حررتنا من الحاجة الدائمة إلى الانتصار؟ أم أنها زادت قدرتنا على الدفاع عن عيوبنا؟
إن الثقافة ليست كمية من المعلومات، ولا قائمة من الكتب، ولا مجموعة من المصطلحات- إنها علاقة جديدة بالذات والعالم.. أن تصبح مثقفا يعني أن تفقد الطمأنينة التي تمنحها لك الأحكام الجاهزة وأن تتعلم الشك في موقفك وأن تدرك أنك قد تكون جزءا من الظلم الذي تنتقده، والمعرفة الحقيقية لا تمنح الإنسان راحة كاملة- إنها تقلقه وتدفعه إلى مراجعة نفسه وتجعله أقل استعدادا لإدانة الآخرين بسرعة. وكل ثقافة لا تزعزع صورة الإنسان عن ذاته تتحول إلى زينة عقلية مهما بدا خطابها عميقا
المثقف الذي يضع المجتمع كله في قفص الاتهام ويستثني نفسه من المساءلة، لا يمارس نقدا حقيقيا- إنه يصنع لنفسه موقعا أخلاقيا مرتفعا ثم ينظر منه إلى الناس ليرى الجهل والتعصب والأنانية فيهم ولا يرى أن هذه الصفات قد تسكنه بصورة أكثر تهذيبا
وهنا تكمن خطورة النفاق الثقافي- إنه لا يسمح لصاحبه برؤية تناقضه.. فالصورة التي صنعها عن نفسه تصبح أقوى من أفعاله ويظل مقتنعا بأنه مدافع عن الحرية حتى وهو يقصي الآخرين ويظل يرى نفسه متواضعا رغم حاجته المستمرة إلى المديح ويظل يتحدث عن الحقيقة بينما يغير مواقفه وفقا للمصلحة
لا تكمن أزمة المثقف في كونه متناقضا؛ فالتناقض جزء من الطبيعة الإنسانية..لكن الأزمة تبدأ حين يرفض الاعتراف بهذا التناقض وحين يقدم نفسه بوصفه ضميرا للمجتمع مع أنه لم يجرؤ على مساءلة ضميره الخاص
نحن لا نحتاج إلى مثقف يتظاهر بالكمال، وإنما إلى إنسان يعرف هشاشته ويعترف بأن المعرفة لم تحرره نهائيا من الأنانية والغرور، نحتاج إلى مثقف يدرك أن الدفاع عن الحرية لا تكون له قيمة إلا حين يدافع عنها لمن يخالفه وأن العدالة لا تُختبر حين تخدمه وإنما حين تطالبه بالتنازل عن امتياز يملكه
الثقافة التي لا تتحول إلى سلوك تبقى خطابا ناقصا قد تثير الإعجاب وقد تمنح صاحبها مكانة لكنها لا تغير الواقع- لأن الواقع لا يتغير بالكلمات وحدها وإنما يتغير عندما تصبح القيم جزءا من تفاصيل الحياة اليومية وحين تنتقل الحرية من الكتب إلى العلاقات والعدالة من المنابر إلى المعاملات والكرامة من الشعارات إلى طريقة النظر إلى الآخرين
إن السؤال الحقيقي ليس: كم كتاباً قرأنا؟ السؤال هو: ماذا فعلت بنا هذه الكتب؟ هل جعلتنا أقل غرورا.. أم زادت شعورنا بالتفوق؟ هل وسعت قدرتنا على فهم البشر.. أم منحتنا لغة جديدة لاحتقارهم؟ هل قربتنا من الإنسان.. أم صنعت بيننا وبينه جدارا من المصطلحات؟
الثقافة لا تُقاس بما نقوله عن أنفسنا وإنما بما تكشفه أفعالنا عنا- وقد تكون أكبر فضيحة ثقافية أن نحفظ أجمل الأفكار ثم نعيش بأسوأ ما فينا
لهذا تفضحنا الثقافة في ممارساتنا وسلوكنا.. إنها تكشف المسافة بين ما نعرفه وما نحن عليه وبين الصورة التي نعرضها والحقيقة التي نخفيها وبين الإنسان الذي يتكلم عن القيم والإنسان الذي يُمتحن بها
ومن لم تجعله المعرفة أكثر تواضعا.. فقد تحولت معرفته إلى شكل راقٍ من الغرور، ومن لم تجعله أكثر عدلا.. فقد منحته قدرة إضافية على تبرير ظلمه، ومن لم تجعله أكثر صدقا مع نفسه.. فقد أصبحت الثقافة لديه قناعا جميلا يخفي وجها لم يتغير
حين تصبح الثقافة مرآةً لزيفنا – لماذا ندّعي المثالية، وفي الواقع تفضحنا ثقافتنا عبر ممارساتنا وسلوكنا؟… بقلم خليفة عبد السلام
FB IMG 1664306348686
