تتوارى أحلامي كشفق يطوي آخر خيوط النهار، خلف أسوار تظن أنها أحكمت القبض على الأفق. في البدء، كان الخوف مادة لزجة تلتف حول أنفاسي؛ لرطوبة الجدران ورائحة العفن المقيم في الزوايا ثقل يجر خطاي إلى الأسفل. لست بطلا من ورق، فالحديد بارد، والبرد ينهش العظام بصمت، وصوت المفاتيح وهي تستدير في الأقفال يترك في النفس ندوبا لا يمحوها الكلام.
هنا، في هذه المساحة التي لا تتسع إلا لخطوات معدودة، تآكلت يقينياتي غير مرة. سألت الصمت: أحقا تمتلك الروح أجنحة، أم أنها وهم يبتكره الجسد كي يحتمل ثقله؟
… ثم صمت.
ومن ذلك الصمت، ولد السؤال.
أدركت أن القيد لم يكن يحيط بمعصمي وحده؛ كان يختبر قدرتي على تصديقه. فالقضبان الأكثر صلابة ليست تلك المصنوعة من الحديد، بل تلك التي يصوغها الخوف، ويصقلها الاعتياد، حتى يغدو الوهم وطنا لا يفكر أحد في مغادرته. أما الروح، فلا تولد محلقة؛ إنها تنحت أجنحتها من شظايا سقوطها، وتتعلم الارتفاع كلما أوشكت على الانكسار.
وفي عمق هذا السكون، تنبت أمنياتي كنبع خفي تحت صخور الزمن؛ لا يراه العابرون، لكنه يعرف طريقه إلى الضوء. هنا، لا تبدو العتمة نقيض النور، بل رحمه الأول؛ ففي جوف الليل تتخلق الأشياء التي تعجز الشمس عن إنجابها.
أما سجاني، الذي يقف خلف الباب متوجسا من صمتي، فلم يكن يعلم أنه يحرس جسدا فقط. كان الباب موصدا من جهتي، ومفتوحا من جهته… ومع ذلك، بدا هو الأسير.
ولم أعد أنتظر الغد كمعجزة تهبط من السماء؛ بل أتركه ينمو في داخلي بصمت. وما أغلقه الحديد، تفتحه البصيرة، وما يعجز القفل عن فهمه، تعبره الروح.
وحين اكتمل صدأ القيد… أدركت أنه كان، منذ البدء، المعدن الذي صيغ منه مفتاحه.
تحليق الروح خلف القضبان… بقلم أ.عبد العالي لعجايلية
IMG 20260716 WA0000
