على الرغم من أنّ سؤال ” ما القراءة؟” جاء متأخرا مقارنة بسؤال “ما الأدب؟” إلاّ أنّ سؤال الأدب هو في جوهره سؤال “القراءة”. كان لابد أن ننتظر منتصف القرن العشرين ليبدأ الاهتمام النظري بالقراءة وبالقارئ. إلا أنّ تاريخ القراءة يمتد على طول تاريخ الأدب نفسه.
لقد وُلدت العصور الحديثة على يد “القارئ”. كيف ذلك؟
هناك لحظتان فارقتان ومتناقضتان لتاريخ القراءة:
أولها: لحظة ألونزو كيخادا المشهور بدون كيشوت الذي دمّرت الكتب عقله، فقذفت به نحو العالم ليؤسس لميلاد الأزمنة الحديثة. في هذه اللحظة العجيبة وُلد الإنسان الجديد بعد أن خرج بعنف من سطوة الكُتب والمجلدات الكبيرة العامرة بحكايات البطولة والفروسية. كان دور القراءة هنا خطيرا، لأنّها خلقت انفصاما حادا بين عالمين: عالم الكتب وعالم الواقع. ومن خلال هذا الانفصام وُلدت أعظم شخصية روائية وأول شخصية روائية تؤرخ لنهاية عصر وميلاد عصر جديد، عبر طرح ثلاث أسئلة جوهرية: ماهي هوية الفرد؟ ماهي الحقيقة؟ ماهو الحب؟ (يُنظر كونديرا، الستارة، ص124).
لقد خلقت الكتب ستارة سميكة حجبت العالم عن هذه الشخصية، بل أصبحت البديل عن الحياة. يقول مارسيل بروست في كتابه “أيام القراءة” محذّراً: “مادامت القراءة بالنسبة إلينا هي المُحرّض الذي تفتح مفاتيحه السحرية في أعماقنا أبواب المساكن التي لم نعرف الدخول إليها فدورها صحي في حياتنا. ولكن، على العكس من ذلك، يصبح دورها خطيرا عندما تحلّ محلّ الحياة بدلا من أن توقظ فينا الحياة الشخصية للعقل” (أيام القراءة، ص43)
خطر الكُتب هو نوع من التنبيه إلى ضرورة تفادي ما سماه بروست بالإجلال الآثم للكتب. أن تتحول الكُتب إلى سجون للعقول.
تساءل “ألبرتو مانغويل” في كتابه “فن القراءة”: لماذا علينا امتلاك مكتبة ملأى بالكتب؟
ألا يمكن أن يشكل ذلك خطرا علينا؟
لنتأمل الأمر من زاويتين:
أولا: الكُتب كثيرة، لكن العمر قصير. لا تخلو حياة القارئ من هذا السؤال الوجودي: كم من العمر يكفي لقراءة كل هذه الكُتب؟ ومن جهة أخرى: هل يحتاج هذا القارئ إلى قراءة كل هذه الكُتب؟ فلماذا لا يقتني فقط ما يحتاج إليه؟
ثانيا: تحتاج هذه الكتب إلى توفير مكان خاص بها، ثم تفرض ميزانية خاصة، فالكتب أيضا سلع نشتريها، وننفق عليها المال الكثير، وأحيانا يكون الانفاق عليها على حساب ضروريات أكثر أولوية.
في هذا السياق، وحتى نربط الفكرة برمزية دون كيشوت، القراءة تعني الانقطاع – ولو مؤقتا – عن الحياة الاجتماعية، والمكتبة قد تتحول إلى متاهة مغلقة نلاحق فيها الحقيقة التي تبدو أنها لا علاقة لها بالعالم الخارجي. (ألم يواجهكم أحد بهذا التساؤل: ما الذي تجده في القراءة ولا نجده في الحياة؟)
الكتب المكدسة قد تقتل. البكتيريا على الورق بسبب الرطوبة والغبار المتراكم عليها. لكن قد تسقط تلك الكتب على القارئ المسكين. تجربة الجاحظ مثلا. وقد تكون أوراقها المكان المناسب لوضع سم الشكران القاتل. اسم الوردة لإيكو مثلا.
ما حدث لدون كيشوت أنه تسمم بفعل الكُتب. والسم الذي يفسد خلايا العقل هو أخطر من السم الذي يبيد الجسد.
يجب أن تكونوا في مكان الديكتاتور لتدركوا معنى أن تكون الكتب سامة، وقاتلة، وقابلة أن تتحول إلى سلاح فتاك. كل المحارق التي نُصبت كانت أفكارا مضادة للكتب، وللقراءة أيضا. كتب مانغويل أيضا: ” القراءة في أحسن حالاتها تقود إلى التأمل والشك، والتأمل والشك قد يقودان إلى الاعتراض والتغيير. ذلك، في أي مجتمع، هو مشروع خطر”. ( فن القراءة ص429)
لنتذكر سؤال دون كيشوت: ما هو الفرد؟ الفرد هو كابوس الديكتاتوريات. الأنظمة الشمولية. الأنظمة الثيوقراطية.
روى مارسيل بروست أنّه لما كان صغيرا كان يقضي الكثير من الوقت في قراءة الكُتب، لكنه في بعض الأحيان يفعل ذلك غير مبال بتحذيرات الأسرة من القراءة في أوقات معينة. مثلا، كان لا يمكن له أن ينام دون أن يتمكن من معرفة نهاية الرواية التي كان بصدد قراءتها، فكان يستغل نوم الجميع، ليشعل شمعة ويستأنف القراءة، ولو أنّه كان على دراية بأنّ ذلك سيعرّضه للعقاب. كما لو أنّ القراءةَ هي التورط في انتهاك القانون، ثم التعرض لخطر العقاب. كل القراء في نظري مهددون بالعقاب. نحن لا نكافئ القراء بل نعاقبهم.
ثانيا، لحظة روبنسون كروزو؛ ومن لا يعرف روبنسون فهو شخصية روائية تخيلها الروائي الإنكليزي دانييل دافو. أما قصة هذه الشخصية فهي أنها وبعد غرق سفينتها، نجت من الغرق ووجدت نفسها في جزيرة نائية. وهنا نتساءل: ما علاقتها بالقراءة؟
كان على روبنسون إذن أن يبقى على قيد الحياة. والبقاء على قيد الحياة ليس مسألة بيولوجية فحسب، بل أيضا نفسية وعقلية. فما الذي أنقذ روبينسون كروزو في تلك الجزيرة النائية والمتوحشة؟ إنّه الكتاب. لقد عثر داخل صندوق خشبي لفظته أمواج المحيط نسخا من الكتاب المقدّس. لقد انتشله الكتابُ – هذا الكتاب بالذات – من الهلع، ومن إمكانية الجنون، ومن الغرق. لذا، استنتج ريكاردو بيلجيا في كتابه الشيق “القارئ الأخير” أنّ وحدة روبنسون تُحاكي عزلة القارئ. القراءة هي افتراض جزيرة نائية. وهو الناجي بفضل كتاب.
“دائماً ثمة جزيرة، حيث يعيش قارئ. كأنّ المجتمع لا وُجود له. أرض خربة، وثمة شخص يعيد بناء العالم المفقود انطلاقاً من قراءة كتاب”. ( بيلجيا ص 154)
الكتاب هنا، على عكس اللحظة السابقة، له وظيفة إعادة بناء العالم، ولو أنّ هذا البناء يشترط عزلة الفرد، كما لو أنّ الجماعة لا تعيد بناء العالم، بل تأتي للسكن فيه فقط.
روبنسون يتحول إلى استعارة للقارئ المنعزل الذي وجد في الكتاب ملاذ يهرب إليه من عزلته نفسها. اتقاء شر العزلة يكون بالعزلة. ويا لها من مفارقة عجيبة.