هل نكتب لأن الكلام العادي لم يعد يتسع لما نشعر به.. أم لأن الصمت صار أثقل من قدرتنا على احتماله؟ هل نكتب كي نخبر الآخرين بما نعرف، أم كي نكتشف ما كان مختبئا فينا ونحن نظن أننا نعرف أنفسنا؟
ربما تبدأ الكتابة من لحظة عجز حين يعجز الإنسان عن تغيير العالم بيديه فيحاول أن يعيد بناءه بالكلمات، أين يعجز عن استعادة الغائب فيمنحه حضورا داخل النص ووقت يخاف أن تبتلع الأيام تجاربه وآلامه وأحلامه فيكتب ليضع أثرا صغيرا في وجه النسيان.. لهذا لا تكون الكتابة غالبا دليل قوة، فقد تكون اعترافا عميقا بضعف الإنسان أمام الزمن والموت والفقد ومحاولة لإعطاء هذا الضعف معنى يمكن احتماله
نكتب لأن الحياة لا تشرح نفسها حيث تمر بنا الأحداث متداخلة، مبهمة، سريعة، ثم تترك داخلنا أسئلة لا نجد لها لغة واضحة فتأتي الكتابة لتعيد ترتيب الفوضى، لا لكي تلغيها.. وإنما لكي تمنحها شكلا يمكن النظر إليه.. فالكاتب لا يقدم الحياة كما هي لأنها في ذاتها أوسع من أن تُنقل ولكنع يلتقط منها ما خفي وراء المظاهر- ارتباك الإنسان، خوفه، وحدته، تناقضاته، رغبته في النجاة وحنينه إلى شيء لا يعرف له اسما.. وقد نكتب لأن الواقع على صلابته لا يكفي، ففيه توجد حدود تفرضها السلطة والعادة والجسد والمكان بينما تفتح الكتابة فضاء يستطيع الإنسان داخله أن يعيش احتمالات أخرى يمكن للفقير أن يتخيل العدالة وللمهزوم أن يعيد مساءلة المنتصر وللغريب أن يصنع وطنا من اللغة ولمن فقد أحبته أن يجالسهم مرة أخرى بين السطور.. والأدب هنا ليس هروبا جبانا من العالم وإنما اعتراض على فكرة أن العالم القائم هو العالم الوحيد الممكن
لكن ماذا نريد من الأدب؟
أحيانا نحمله أكثر مما يستطيع ونريده أن يصلح المجتمع ويهزم الجهل ويوقظ الضمائر ويمنع الحروب ويصنع إنسانا جديدا وحين لا يفعل ذلك نعلن فشله، غير أن الأدب لا يعمل كقانون أو مؤسسة أو برنامج سياسي.. حيث لا يملك سلطة مباشرة على الواقع ولا يستطيع أن يأمر الناس بأن يكونوا أكثر عدلا قوته أكثر هدوءا وتعقيدا؛ إنه يغير الطريقة التي نرى بها أنفسنا والآخرين
نريد من الأدب أن يعيد الإنسان إلى إنسانيته فالعالم يدفعنا باستمرار إلى اختزال البشر في أرقام ووظائف وهويات وأحكام سريعة.. ويأتي هو ليقول إن وراء كل وجه حياة كاملة ووراء كل صمت حكاية ووراء كل خطأ تاريخا من الخوف والرغبات والخيبات فحين نقرأ رواية جيدة لا نكتسب معلومة فقط وإنما ندخل وعيا غير وعينا ونرى العالم من عينين لم نولد بهما.. تلك القدرة على مغادرة الذات ولو مؤقتا هي واحدة من أعمق القيم الأخلاقية للأدب
نريد منه أيضا أن يوقظ الأسئلة التي قتلها الاعتياد.. فالإنسان يعتاد الظلم كما يعتاد المنظر اليومي وقد يتعايش مع القبح حتى يفقد القدرة على ملاحظته والأدب يعيد الغرابة إلى الأشياء المألوفة ويجعلنا نتوقف أمام تفاصيل كنا نعبرها بلا انتباه ويكشف أن ما سميناه حقيقة قد يكون عادة قديمة وأن ما قبلناه بوصفه قدرا قد يكون بناء اجتماعيا صنعه البشر ثم نسوا أنهم صنعوه
ليس مطلوبا من الأدب أن يمنحنا أجوبة جاهزة.. فالأدب الذي يعرف كل شيء ويتحدث بلسان الواعظ يفقد كثيرا من جوهره والنص الحقيقي لا يغلق السؤال ولكنه يجعله أعمق ولا يقود القارئ من يده إلى نتيجة واحدة وإنما يضعه أمام نفسه ويتركه يختبر قناعاته وتناقضاته فلهذا قد ننتهي من قراءة كتاب دون أن نعرف ماذا أراد الكاتب تحديدًطا ومع ذلك نشعر أن شيئا ما في داخلنا لم يعد كما كان
ونريد من الأدب الجمال غير أن الجمال هنا ليس زينة لغوية أو هروبا من الألم.. فقد يكون الجمال طريقة لمواجهة القبح دون أن نصبح نسخة منه، فعندما يمنح الكاتب للحزن صياغة دقيقة لا يجمل المأساة ولكنه ينتزعها من الصمت والفوضى حيث يحول الألم من تجربة عمياء إلى معرفة ومن جرح فردي إلى معنى إنساني مشترك، لذلك يمكن لنص شديد القتامة أن يحمل جمالا عميقا وهذا لأنه يمنح ما يؤلمنا صوتا وصورة ووجودا
نريد من الأدب أن يحفظ ما تحاول الذاكرة العامة محوه فالتاريخ الرسمي غالبا ما يدون أسماء المنتصرين بينما يحتفظ الأدب بأصوات المنسيين الذين مروا دون أن تُلتقط لهم صورة والذين عاشوا في الهامش والذين لم يمتلكوا سلطة كتابة روايتهم فالأدب ذاكرة مضادة للنسيان وشهادة لا تدّعي الحياد الكامل لأنها تنحاز إلى هشاشة الإنسان وإلى حقه في أن يُسمع
ومع ذلك لا ينبغي أن نختزل الأدب في الرسالة الأخلاقية أو الاجتماعية، فالأدب ليس منشورا دعائيا وقيمة الرواية لا تُقاس فقط بوضوح موقفها فقد تكمن قيمتها في اضطرابها وغموضها وطريقتها في إعادة تشكيل اللغة وفي قدرتها على لمس ما تعجز الأفكار المباشرة عن بلوغه.. أحيانا لا يقول الأدب شيئا يمكن تلخيصه في جملة لكنه يخلق إحساسا جديدا بالعالم وهذا في حد ذاته فعل معرفي وجمالي
الكتابة إذن ليست مجرد نقل للأفكار لأنها كثيرا ما تسبق الفكرة وتولدها والكاتب قد يبدأ وفي داخله غموض لا يعرف كيف يسميه ثم يكتشف أثناء الكتابة أن اللغة لا تعبر عنه فقط وإنما تكشفه له ونحن لا نكتب دائما لأننا نملك شيئا مكتملا نقوله؛ نكتب لأننا نبحث عن ذلك الشيء ولأن الجملة قد تقودنا إلى منطقة لم نكن نعرف أنها موجودة فينا
لهذا لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا نكتب؟ فقط، وإنما: ماذا تفعل بنا الكتابة ونحن نمارسها؟ هل تجعلنا أكثر صدقا مع أنفسنا؟ هل توسع قدرتنا على رؤية المختلف؟ هل تحررنا من اللغة الجاهزة والأحكام الموروثة؟ أم تتحول إلى وسيلة أخرى للادعاء وإخفاء الفراغ خلف الكلمات؟
قد يكتب الإنسان ليشتهر أو ليبرهن على ثقافته أو ليصنع لنفسه صورة أمام الآخرين فهذه دوافع بشرية لكنها لا تصنع وحدها أدبا حيا فالأدب يبدأ حين تتجاوز الكتابة رغبة الكاتب في الظهور وحين يصبح النص أكبر من صاحبه قادرا على الوصول إلى قارئ لم يعرف الكاتب ولم يعش زمنه، ومع ذلك يجد فيه جزءا من خوفه أو غربته أو حلمه
نكتب لأن الإنسان كائن لا يكتفي بأن يعيش؛ يريد أن يفهم أنه عاش كما يريد أن يترك خلفه أثرا يقول إن مروره لم يكن صامتا تماما ونريد من الأدب ألا يمنحنا عالما مثاليا وإنما أن يعيد إلينا القدرة على رؤية هذا العالم وأن يجعلنا أقل قسوة في الحكم وأكثر شكا في اليقين وأشد انتباها إلى ما يُهمَل ويُخفى
الأدب لا ينقذ العالم وحده ولكنه يحمي في الإنسان ذلك الجزء الذي يجعل إنقاذ العالم ممكنا- الخيال، والذاكرة، والدهشة، والقدرة على التعاطف والاعتراض. نكتب كي لا يصبح الواقع هو الكلمة الأخيرة، ونقرأ لأن حياة واحدة لا تكفينا لفهم معنى أن نكون بشرا.
لماذا نكتب وماذا نريد من الأدب؟ … بقلم خليفة عبد السلام
20260723 185146
