ليس أعسر ما يبتلى به الإنسان أن تعجزه الكلمات، بل أن يكتشف، بعد عمرٍ قضاه بين الحروف، أن اللغة لم تكن سوى الأثر الباهت لما استعصى عليها. ففي لحظةٍ لا يعلنها الزمن، ينكشف له أن المعنى لم يسكن العبارة يومًا، وإنما مرّ بها كما يمر الضوء في الزجاج؛ يترك أثره، ولا يترك نفسه. عندئذ لا يعود الصمت نقيض القول، بل أصله الخفي، وتغدو الكتابة محاولةً لاستعادة ما لم يكن قابلًا للامتلاك أصلًا.

كل بدايةٍ خدعة؛ لأن البدء يفترض نقطةً أولى، بينما الوعي لا يعرف البدايات. إنه يستيقظ دائمًا في منتصف المجهول، داخل سؤالٍ أقدم منه، لا يعرف من أطلقه، ولا إلى أي هاويةٍ كان يشير. لذلك لا أبدأ، بل أجد نفسي وقد سبقتني الطرق إلى نهاياتها، وأجدني واقفًا عند عتبةٍ لا تفضي إلا إلى مزيدٍ من العتبات.

لم تكن اللغة بيتًا للوجود كما توهّم الإنسان، بل حدَّه الأخير. فما إن يقترب الوعي من تخوم الحقيقة حتى يكتشف أن الأسماء لا تكشف الأشياء، بل تؤجل انكشافها، وأن التعريف ليس إلا القناع الأخير الذي ترتديه الحقيقة قبل أن تنسحب. كل كلمةٍ نافذة، لكنها في الوقت نفسه جدار، وكل عبارةٍ تضيء وجهًا من المعنى، بينما توسّع الظل الذي يحيط به.

لهذا ترتجف المعاني قبل أن تولد الحروف. فالحرف لا ينبثق من الحبر، بل من ارتباك الكينونة وهي تصغي إلى فراغها. وما الكتابة إلا الأثر الزلزالي لذلك الارتباك؛ تشققاتٌ دقيقة في قشرة اليقين، يتسرّب منها المجهول بصمت، حتى يغدو الإنسان يقيم فوق هاويةٍ لا يراها إلا حين يظن أنه بلغ أرضًا صلبة.

كلما هممت بالإقامة في ذاتي، وجدتها قد سبقتني إلى غيابها، وتركت لي صورةً أتأملها كما لو كانت تخص غريبًا عبرني ثم مضى. عندها أدرك أن الهوية ليست جوهرًا، بل عبورٌ دائم، وأن الإنسان ليس كائنًا يحمل وجوده، بل وجودٌ يبحث، عبثًا، عن الكائن الذي يليق به.

في الداخل لا تقوم حرب، بل انشطارٌ لا يكف عن إعادة اختراع نفسه؛ وعيٌ يشيد نظامه، ولاوعيٌ يمرّ به كما تمر النار في الهشيم، فلا يبقى من البناء إلا ذاكرة رماده. ولست بينهما حكمًا، بل موضعًا يلتقي فيه الانهدام بالبناء، حتى يغدو التماسك نفسه صورةً أخرى للتصدع.

الزمن لا يعبر الكائن، بل يعيد نحته في الخفاء. إنه لا يضيف إلى الإنسان عمرًا، بل ينتزع منه هيئةً بعد أخرى، حتى يغدو في آخر المطاف طبقاتٍ من ذواتٍ انطفأت، وما يزال يحمل أسماءها كأنها ما زالت حيّة. نحن لا نتقدم نحو المستقبل، بل نتباعد بصمتٍ عن النسخة الأولى التي حلمت بنا.

وحين أكتب، لا أشيّد معرفة، بل أزيح حجرًا آخر عن جهلي. فالمعرفة لا تمنح يقينًا، وإنما تجرّد اليقين من سلطته. وكل فكرةٍ أصابت عمقها زادت العقل ارتجافًا؛ لأن الفكر الذي يطمئن صاحبه لا يوقظه، بل يضاعف نومه.

لعل الوجود لم يخطئ قط، وإنما أخطأنا حين ظننا أنه ملزم بأن يكون مفهومًا. الأشياء لا تستقر، بل تتظاهر بالثبات، والزمن لا يمضي، بل يبدّل أقنعته، والإنسان لا يعرف نفسه، وإنما يألف الاسم الذي أطلقه عليها. وما الحياة إلا هذا الالتباس الطويل الذي اعتدنا أن نسميه واقعًا.

أصبحت اللغة عندي امتحانًا للمعنى لا وعاءً له؛ كلما اتسعت العبارة، ضاق ما تشير إليه، حتى غدت البلاغة أرقَّ أشكال الاعتراف بالعجز. ليست الاستعارة جسرًا إلى الحقيقة، بل أثر الخطوات التي توقفت قبل الوصول إليها.

ولم يعد العدم أكثر ما يثير رهبة الفكر، بل لا نهائية المعنى. فالعدم حدّ، أما المعنى فلا حدّ له. وكلما اقترب العقل مما حسبه مركزًا، انفرط المركز إلى دوائر لا تنتهي، حتى يغدو اليقين أكثر الأوهام اكتمالًا، ويصبح السؤال الشكل الوحيد الذي لم يتصلب بعد.

لست أطلب حقيقةً أستقر فيها، لأن الحقيقة التي تُغلق أبوابها تتحول إلى عقيدة، والعقيدة قبر السؤال. إنما أطلب رجفةً تُبقي الوعي مفتوحًا، وقلقًا لا يبحث عن الشفاء؛ فالروح التي شفيت من قلقها لم تنتصر، بل فقدت قدرتها على الدهشة.

وهكذا لم تعد الكتابة أثرًا أتركه على الورق، بل أثرًا يتركه الوجود فيَّ. وما النص إلا رجفةٌ عابرة في جسد المعنى، سرعان ما تخبو لتكشف أن الحقيقة لم تكن يومًا فيما قيل، بل فيما ظل عصيًّا على القول. هناك فقط أدرك أن السؤال ليس طريقًا إلى الحقيقة، بل صورتها الوحيدة التي لم تتجمد، وأن الإنسان لا يسمو بما يعثر عليه من أجوبة، بل بما يحتمله من أسئلة؛ لأن الوجود لا يكافئ من يظن أنه وصل، وإنما يفتح أبوابه لمن يملك شجاعة التيه.