هناك شهاداتٌ تُسلَّم لأصحابها في قاعات الجامعات وسط التصفيق وعدسات الكاميرات، وهناك شهاداتٌ أخرى تتأخر عن موعدها الأرضي. لكأنها اختارت أن تُسلَّم في مكانٍ آخر، حيث لا وجع ولا مرض ولا انكسار. هكذا تبدو لي حكاية طالبتنا “إكرام بوحافر”، التي نالت شهادة الليسانس في الإعلام والإتصال بجامعة حسيبة بن بوعلي في ولاية الشلف، لكن القدر لم يمهلها لتراها وتضع يدها عليها، بعد رحلة طويلة مع مرض الوهن العضلي، ورحيلٍ مبكر عن الدنيا وهي لم تتجاوز العشرين من العمر.
في وقتٍ أصبحت فيه الجامعة فضاءً للتنافس على العلامات أكثر من البحث عن المعنى، كانت إكرام تمثل نموذجًا مختلفًا يُعيد الاعتبار للقيمة الإنسانية للعلم. لم تكن أكثر الطلبة ضجيجًا، لكنها كانت أكثرهم حضورًا في الحضور وفي النقاش وفي الاجتهاد، وفي الأخلاق.. وكذلك في الصبر. كانت تنتمي إلى فئة نادرة تجعلني كأستاذ جامعي أؤمن – بعد يأس – أن رسالتي لم تذهب سدى، وأن المعرفة لا تزال تجد من يحملها بإخلاص وإن كانوا قلة.
لم يكن مرضها مجرد ملف طبي، بل كان سياقًا وجوديًا (Condition existentielle) صاغ شخصيتها. كانت تواجهه بصبرٍ هادئ لا يخلو من الأمل، وكأنها تفاوض الألم كل يوم على حقها في الحياة وفي الدراسة، وفي الحلم أيضا. كانت تعرف حدود جسدها لكنها لم تسمح له أن يفرض حدودًا على روحها. لذلك، لم يكن تفوقها العلمي والأكاديمي انتصارًا على زملائها، بل انتصارًا على ظروفها القاسية نفسها.
ومن المفارقات التي تختصر هشاشة الوجود الإنساني (Fragilité existentielle)، أنها نالت أعلى علامة استحقتها عن جدارة والمراتب الأولى في دفعتها باستحقاق، ثم رحلت قبل أن تتسلّم الوثيقة التي تُثبت هذا الاستحقاق. وكأن الحياة أرادت أن تقول إن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُختزل في شهادة يحملها، بل في الأثر الذي يتركه في قلوب من عرفوه. ذلك أن الجامعة ليست مجرد مؤسسة لإنتاج الكفاءات، بل هي أيضًا فضاء لإنتاج الذاكرة، والذاكرة الأكاديمية لا تحفظ أسماء المتفوقين فحسب، وإنما تحفظ أولئك الذين جسّدوا المعنى الأخلاقي للمعرفة. وإكرام واحدة من هؤلاء لأنها أثبتت أن التعليم ليس سباقًا نحو الشهادة، وإنما مقاومة يومية لليأس، وإصرار على أن يبقى العقل حيًا حتى عندما يرهق المرض الجسد.
ولعل أكثر ما يلفت في سيرتها أن تخصصها كان الإعلام والإتصال؛ ذلك الحقل المعرفي الذي يُفترض أن يمنح الإنسان القدرة على صناعة الأثر. غير أن إكرام – من دون أن تظهر على الشاشات أو تتصدر المنصات – تركت رسالة إعلامية أبلغ من آلاف الخطابات؛ رسالة تقول إن الصدق والاجتهاد والخلق الرفيع.. هي أعمق أشكال التواصل، وأن الإنسان قد يصبح خبرًا بعد رحيله، لكنه يتحول إلى قيمة عندما تكون حياته نفسها رسالة. ستبقى شهادة الليسانس التي صدرت باسمها وثيقةً تحمل مفارقة موجعة؛ فهي شهادةٌ تُثبت نجاح طالبة لم تستطع أن تأتي لاستلامها. لكنها – في المقابل – تُثبت أيضًا أن بعض الناس ينهون امتحانات الحياة قبل أن ينهوا مراسم التخرج. لهذا، ربما رحلت “إكرام بوحافر” نهائيا عن مسرح الحياة، لكن اسمها بقي شاهدًا على أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعمق الأثر. وستظل قصتها تذكّرنا بأن المعرفة التي تُخرِّج العلماء، ينبغي أيضًا أن تحفظ أسماء أصحاب الأرواح النبيلة.
