من السهل أن يضع الكاتب نصه أمام النقد ثم يقف بعيدا يراقب الأحكام ويحصي الملاحظات ويتأهب للدفاع ولكن السؤال الأسبق والأكثر قسوة يظل غائبا هل ساءل الكاتب نصه قبل أن يطالب النقد بمساءلته؟ وهل امتلك من الوعي ما يكفي ليدرك ما كتبه.. ولماذا كتبه .. وما الذي أضافه إلى اللغة والإنسان والحياة؟
ليست الكتابة اندفاعا لغويا ينتهي بوضع النقطة الأخيرة ولا تتحول الكلمات إلى أدب لمجرد انتظامها في صفحات ولكنها مسؤولية فكرية وجمالية تبدأ من قدرة الكاتب على الوقوف أمام نصه دون محاباة ليسأله بجرأة- ما ضرورتك؟ أي سؤال تحمله؟ هل جئت من تجربة حقيقية أم من رغبة في الظهور؟ هل تفتح نافذة في الوعي أم تعيد ترتيب الكلام التي استهلكه الاخرون؟
المشكلة أن بعض الكُتاب يطالبون النقد بوعي لا يمارسونه أثناء الكتابة ويريدون من الناقد أن يكتشف الأعماق في نص لم يُكتب من العمق، ويطلبون منه أن يعثر على رؤية داخل كلام لم يتجاوز الانفعال العابر وعندما تأتي الملاحظات يتحول الحوار حول النص إلى دفاع عن الذات وكأن نقد الكتابة إهانة للكاتب و النص امتداد مقدس لشخصه لا يحق لأحد الاقتراب منه
الكاتب الواعي لا ينتظر الناقد ليكشف له ارتباك نصه بحيث يكون أول قارئ متشكك فيه وأشد خصومه نزاهة.. يهدم الجملة التي أحبها إن كانت دخيلة على المعنى ويحذف الصورة الجميلة إن كانت تستعرض اللغة ولا تخدم الرؤية ولا يخشى الاعتراف بأن فكرة ما لم تنضج أو أن صفحة كاملة كُتبت لإخفاء فراغ لا لمواجهة حقيقة
مساءلة الكاتب لنصه ليست رقابة تكبح الحرية ولكنها في الواقع وعي يحميها من التحول إلى فوضى.. فالحرية الإبداعية لا تعني أن يكتب الإنسان كل ما يخطر له ثم يطالب الآخرين بالتصفيق لجرأته، الحرية الحقيقية أن يعرف الكاتب لماذا كسر الشكل ولماذا تمرد على اللغة وما الأفق الذي أراد فتحه بهذا التمرد، أما كسر القواعد من دون معرفة بها فليس تجديدا هو عجز يرتدي هيئة المغامرة
والوعي في الكتابة لا يعني أن يتحول الأدب إلى درس فلسفي أو خطاب أخلاقي ولكنه حضور الكاتب داخل اختياراته- في زاوية النظر، وفي بناء الشخصية وفي الصمت بين الجمل وفي الكلمات التي يختارها وتلك التي يستبعدها الكاتب الواعي لا يلقن القارئ موقفا جاهزا.. لكنه يضعه أمام سؤال يصعب تجاوزه ولا يشرح الحياة وإنما يكشف تصدعاتها ويجعل اللغة مساحة لاختبار المعنى وليس ستارا لإخفاء غيابه
قبل أن نسأل لماذا ظلم النقد النص ينبغي أن نسأل:-هل أنصف الكاتب نصه أولا؟ هل منحه الوقت الكافي لينضج؟ هل حرره من غروره ومن استعجاله ومن رغبته في الاعتراف؟ وهل كتبه لأن لديه ما يقوله.. أم لأنه أراد فقط أن يُقال عنه إنه كتب؟
النقد ليس دائما بريئا وقد يكون أسيرا لقوالبه وأهوائه ولكن أخطاء النقد لا تمنح النص حصانة.. فالكتابة التي تخشى السؤال تكشف هشاشتها والكاتب الذي يعتبر كل ملاحظة مؤامرة يعلن من حيث لا يدري أنه لم يفصل بعد بين كرامته الشخصية وقيمة عمله
إن مساءلة النقد ضرورة لكنها تأتي بعد مساءلة الكاتب لوعيه ونصه وأدواته فقبل أن يطلب من الاخرين فهم تجربته عليه أن يعرف هو نفسه حدودها ومقاصدها وتناقضاتها، وقبل أن يحتج على سوء القراءة عليه أن يتأكد أنه لم يكتب نصا مرتبكا ثم حمل القارئ مسؤولية ارتباكه
الكتابة الحقيقية لا تبدأ من الثقة المطلقة وإنما من الشك الخلاق، تبدأ حين يجلس الكاتب أمام نصه بلا سلطة ويسأله بصدق- هل أنت أثرٌ حي في الوعي أم مجرد سطور تبحث عن اعتراف؟
قبل مساءلة النقد- هل واجه الكاتب نصه؟… بقلم خليفة عبد السلام
20260805 163048
