ليس الجهل دائما أن تجهل شيئا؛ فذلك جهل بسيط يمكن أن تداويه المعرفة. الخطر يبدأ حين يصبح الجهل نظاما مغلقا، حين لا يعود صاحبه يشعر بحاجته إلى المعرفة، وحين تتحول الإجابة الموروثة إلى جدار يمنع السؤال من الاقتراب. هناك، في تلك المنطقة التي يتوقف فيها العقل عن البحث لأنه أقنع نفسه بأنه وصل، يولد ما يمكن تسميته: الجهل المقدس.
إنه ليس الجهل الذي يعترف بفراغه، بل الجهل الذي يقدس امتلاءه الوهمي. لا يقول: «لا أعرف»، وإنما يقول: «أعرف، ولا يحق لك أن تسأل». ولذلك فهو أكثر خطرا من الجهل العادي؛ لأن الجهل العادي يحمل في داخله إمكانية الخروج منه، بينما الجهل المقدس يغلق أبواب الخروج ويضع على مفاتيحها ختم الحقيقة.
الجاهل العادي يقف أمام المجهول فيشعر بالحاجة إلى أن يعرف؛ أما الجهل المقدس فيقف أمام المجهول فيملأه بإجابة جاهزة، ثم يمنح تلك الإجابة حصانة تمنع العقل من اختبارها. وهكذا لا يعود السؤال طريقا إلى الحقيقة، بل يصبح تهديدا لها.
ومن هنا تبدأ المأساة.
فالفكرة حين تدخل دائرة القداسة تفقد شيئا من قابليتها للنقاش. وإذا أضيفت إليها سلطة الموروث، وسلطة الجماعة، وسلطة من يتحدث باسمها، يصبح الاقتراب منها أشبه بالاقتراب من منطقة ملغمة: لا يسألك أحد عن قوة حجتك، بل عن جرأتك على السؤال.
وهنا يحدث أخطر انقلاب في تاريخ العقل: بدلا من أن تكون الحقيقة هي التي تحاكم الأفكار، تصبح الأفكار الموروثة هي التي تحاكم الحقيقة.
يكفي أن تكون الفكرة قديمة حتى تكتسب سلطة القدم، وأن تكون شائعة حتى تكتسب سلطة الجماعة، وأن تنسب إلى المقدس حتى تكتسب سلطة التحريم. ثم تتراكم هذه السلطات فوق بعضها حتى تتحول الفكرة من احتمال إلى يقين، ومن يقين إلى عقيدة، ومن عقيدة إلى سيف مسلط على رقبة السؤال.
لكن المشكلة لا تكمن دائما في المقدس نفسه؛ بل في الإنسان حين يخلط بين المقدس وفهمه للمقدس.
فالنص شيء، وتأويل الإنسان له شيء آخر. والحقيقة شيء، والصورة التي يصنعها العقل البشري عنها شيء آخر. وما إن تختلط الحدود حتى يصبح نقد التأويل نقدا للحقيقة، ومراجعة الفهم اعتداء على المقدس، والاختلاف مع رجل الدين اختلافا مع الدين نفسه.
وهنا يولد الجهل المقدس في أكثر صوره تعقيدا: حين يمنح الإنسان فهمه البشري حصانة لا يمنحها إلا للمطلق.
ولعل التاريخ يمنحنا في تجربة ابن رشد مشهدا بالغ الدلالة.
كان ابن رشد واحدا من أولئك الذين رفضوا أن يروا العقل سجينا داخل حدود الخوف. لم يكن السؤال عنده نزوة فكرية، بل ضرورة من ضرورات الإنسان؛ ولم تكن الفلسفة ترفا ذهنيا، بل محاولة لفهم الوجود بما يتيحه العقل من أدوات.
كان يريد أن يقول، في جوهر مشروعه، إن العقل ليس عدوا للحقيقة، وإن التفكير لا ينبغي أن يكون جريمة، وإن الحكمة لا تفقد قيمتها لمجرد أنها تفتح أبوابا للأسئلة.
لكن العقل حين يدخل أرضا تحكمها اليقينات المغلقة يصبح خطرا.
وحين لا تستطيع السلطة أن تواجه الفكرة بالحجة، فإنها تبحث غالبا عن وسيلة أخرى: تضييق، تشويه، إقصاء، نفي، أو إسكات.
وهكذا انتهى ابن رشد إلى النفي والتضييق، وتعرضت بعض كتبه الفلسفية للإحراق.
وقد تبدو حادثة إحراق الكتب في ظاهرها اعتداء على الورق، لكنها في عمقها أكثر من ذلك بكثير؛ إنها محاولة لإحراق الطريق الذي يمكن أن تسلكه الفكرة نحو عقل آخر.
فالكتاب ليس مجرد أوراق وحبر؛ إنه عقل مؤجل ينتظر قارئا.
وحين يحرق أحدهم الكتاب، فهو لا يحرق الورق فقط؛ إنه يحاول أن يمنع عقلا من أن يلتقي بعقل آخر.
لكن النار، مهما كانت قوية، لا تستطيع أن تلتهم الفكرة كلها.
قد تحرق الصفحة، لكنها لا تستطيع أن تحرق السؤال الذي زرعته الصفحة في ذهن قارئ. قد تنفي صاحب الفكرة، لكنها لا تستطيع أن تنفيها من التاريخ. قد تمنع الكتاب من الوصول إلى مكتبة، لكنها لا تستطيع أن تمنع الفكرة من أن تجد طريقها إلى الذاكرة.
وهنا تكمن المفارقة التي يمنحنا إياها ابن رشد: حين تحرق كتابا لأنك تخاف ما فيه، فأنت لا تثبت خطأه؛ أنت تثبت أن السؤال أصبح أقوى من قدرتك على مواجهته.
لكن التاريخ لا يكرر نفسه بالضرورة في الشكل؛ إنه يعيد إنتاج الآلية نفسها بأقنعة جديدة.
لقد تغير الزمن، وتغيرت أدوات السيطرة، ولم يعد حرق الكتب هو الوسيلة الوحيدة لإخماد الأفكار. ظهرت وسائل أكثر نعومة، وأكثر ذكاء، وربما أكثر خطرا؛ لأن القمع القديم كان واضحا، أما القمع الناعم فيجعلك أحيانا تظن أنك اخترت الصمت بنفسك.
ومن أخطر هذه الوسائل: الوصاية الدينية على العقل.
فالوصاية تبدأ حين يتقدم شخص أو جماعة إلى الإنسان لا بوصفهم أصحاب فهم واجتهاد، وإنما بوصفهم وكلاء على الحقيقة، فيقررون له ما ينبغي أن يعتقد، وما يجوز أن يسأل، وما يحرم عليه أن يناقش، وما يجب أن يرفض قبل أن يقرأه.
هنا لا يعود الإنسان حرا في علاقته مع الحقيقة؛ يصبح بحاجة إلى وسيط يخبره ماذا يرى، وكيف يفهم، وأين يقف، ومتى يصمت.
والمشكلة ليست في أن يقدم الإنسان رأيا دينيا أو تفسيرا أو اجتهادا؛ فذلك حق مشروع. المشكلة تبدأ عندما يتحول الرأي إلى وصاية، والاجتهاد إلى سلطة، والتفسير إلى حقيقة نهائية، وصاحبه إلى حارس على ضمير الآخرين.
عندها يصبح العقل كأنه طفل دائم في حاجة إلى وصي.
يسأل: هل يجوز أن أفكر في هذه المسألة؟
ويأتيه الجواب قبل أن يبدأ التفكير.
يسأل: هل أستطيع أن أراجع هذا الموروث؟
فيقال له: ومن أنت حتى تراجعه؟
يسأل: هل يمكن أن يكون هذا الفهم بشريا قابلا للخطأ؟
فيأتيه صوت أكثر صرامة: التشكيك في الفهم تشكيك في الدين.
وهكذا تنغلق الدائرة.
إن أخطر ما في الوصاية أنها لا تكتفي بإعطائك الإجابة؛ إنها تسلبك حق الوصول إلى الإجابة بطريقتك الخاصة. تجعل العقل مستهلكا للحقيقة لا باحثا عنها، وتحوّل الإنسان من ذات تفكر إلى وعاء يتلقى.
والأشد خطرا أن الوصاية، مع الزمن، لا تحتاج إلى وصي حاضر دائما.
فالإنسان الذي عاش طويلا تحت سلطة الخوف قد يتحول إلى وصي على نفسه.
يبدأ بمراقبة أفكاره قبل أن يراقبه أحد، ويحذف سؤاله قبل أن يسمعه الآخرون، ويعتذر عن فكرة لم يقلها، ويخاف من احتمال لم يختبره، ويعيش داخل حدود رسمها له آخرون ثم نسي أنها ليست حدود الكون.
وهنا يبلغ الجهل المقدس ذروة انتصاره:
حين يتحول القيد الخارجي إلى قيد داخلي.
لا تحتاج السلطة عندها إلى إغلاق الباب؛ يكفي أن تعلم الإنسان أن يخاف من فتحه.
وهذا هو الفارق بين القمع الصريح والوصاية الناعمة. القمع يقول لك: «لا تفكر». أما الوصاية فتقول لك: «فكر، ولكن داخل الحدود التي أحددها لك»، ثم تقنعك أن تلك الحدود هي حدود الحقيقة نفسها.
وبذلك يصبح العقل سجنا جميلا.
فيه الكتب، لكن لا حرية للقراءة.
وفيه الأسئلة، لكن لا حرية لطرحها.
وفيه الإجابات، لكن لا حرية لاختبارها.
وهنا لا يعود الجهل المقدس ظلاما؛ بل يصبح ضوءا زائفا، شديد السطوع إلى درجة أنه يمنعك من رؤية ما وراءه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعقل ليس أن يفقد المعرفة، بل أن يفقد حقه في الشك.
فالشك ليس دائما عدوا لليقين؛ أحيانا يكون حارسه الأخير من التحول إلى وهم. والسؤال ليس نقيضا للإيمان؛ قد يكون الطريق الذي يمنع الإيمان من التحول إلى مجرد تقليد. والنقد ليس هدما بالضرورة؛ فقد يكون محاولة لإنقاذ الفكرة من أخطائنا نحن.
لكن الجهل المقدس يقلب هذه المعاني كلها.
يجعل السؤال شبهة.
والاختلاف خروجا.
والنقد عداء.
والتفكير المستقل تمردا.
والصمت حكمة.
والتكرار يقينا.
وهكذا يصبح الإنسان أكثر ثقة كلما قل اختباره لما يؤمن به.
إنه يعيش داخل يقين لم يختبره، لكنه يدافع عنه كما لو كان قد اكتشف الحقيقة بنفسه.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الجهل المقدس إيلاما: أن الإنسان قد يظن نفسه مدافعا عن الحقيقة، بينما هو في الواقع يدافع عن ذاكرته؛ وقد يظن أنه يحمي الدين، بينما هو يحمي صورة ورثها عن الدين؛ وقد يظن أنه يحرس المقدس، بينما هو يحرس سلطة بشرية اكتسبت شرعيتها من الحديث باسمه.
ولذلك فإن التحرر من الجهل المقدس لا يعني السخرية من المقدس، ولا هدم الإيمان، ولا تحويل الشك إلى عقيدة مضادة.
بل يعني شيئا أكثر عمقا:
أن نعيد رسم الحدود بين المقدس والبشري، بين النص والفهم، بين الحقيقة والتأويل، بين الإيمان والوصاية.
أن نعرف أن احترام المقدس لا يمنح أحدا ملكية عقول الآخرين.
وأن من حق الإنسان أن يسأل دون أن يتحول السؤال إلى جريمة.
وأن من حقه أن يختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى محكمة.
وأن من حقه أن يقول: «لا أعرف»، دون أن يشعر أن الاعتراف بالنقص عار.
فالعقل لا يصبح حرا حين يمتلك كل الإجابات؛ بل حين يمتلك الشجاعة الكافية ليعترف بأنه قد يكون مخطئا.
وهنا ربما يكون الفرق الجوهري بين الحقيقة والجهل المقدس:
الحقيقة لا تخشى أن تُسأل.
أما الجهل المقدس، فيحتاج دائما إلى حارس.
الحقيقة تستطيع أن تدخل إلى الضوء.
أما الوهم فيحتاج إلى ستارة.
الحقيقة لا تطلب منك أن تغلق عينيك كي تراها.
والفكرة القوية لا تحتاج إلى إسكات خصومها؛ لأنها قادرة على الدفاع عن نفسها بالحجة.
ولهذا فإن السؤال ليس عدوا للحقيقة، بل أحد أكثر الطرق أمانا إليها.
وإذا كان ابن رشد قد عاش في زمن كان يمكن فيه أن تصل النار إلى الكتاب، فإن إنسان اليوم يعيش في زمن أكثر تعقيدا: قد لا تحرق كتبه، لكن يمكن أن تحاصر وعيه؛ قد لا تمنعه من القراءة، لكن يمكن أن تجعله يخاف مما سيقرأ؛ قد لا تصادر صوته، لكن يمكن أن تزرع داخله رقيبا يسبقه إلى الصمت.
وهكذا يتغير شكل السجن، ويبقى السجن.
تتغير أدوات الوصاية، ويبقى العقل مطالبا بأن يستأذن كي يرى.
ولعل أخطر ما ينبغي أن نخاف منه اليوم ليس الجهل الذي لا يعرف، بل الجهل الذي يعرف كل شيء مسبقا؛ ذلك الذي لا يقرأ ليكتشف، بل ليبحث عما يؤيد ما قرره قبل القراءة؛ لا يسأل ليصل، بل يتحدث ليغلق الطريق على السؤال.
ذلك هو الجهل حين يلبس ثياب المعرفة.
وذلك هو الجهل حين يجد لنفسه محرابا.
فالكتب قد تحترق، كما حدث لبعض كتب ابن رشد، لكن الأفكار لا تموت بالنار.
أما حين ينجح الجهل المقدس في إقناع الإنسان بأن السؤال خطيئة، وأن التفكير امتياز لا حق، وأن الوصاية فضيلة، فهنا لا يعود بحاجة إلى حرق كتاب واحد.
لقد وجد الوسيلة الأكثر فاعلية:
أن يجعل القارئ نفسه يخاف من فتحه.
وهنا، ربما، يكون أخطر حريق عرفه العقل البشري ليس حريق مكتبة…
بل انطفاء السؤال في رأس إنسان.
