في الثامنة والعشرين من عمرها، المبدعة “خولة بن ساسي” تشقّ طريقها بين التربية والأدب بهدوءٍ لا يخلو من الطموح، ابنة الجنوب الجزائري مدينة بسكرة، متخرجة من جامعة محمد خيضر بشهادة ماستر في الإرشاد والتوجيه، وتعمل مستشارة للتوجيه والإرشاد المدرسي والمهني في الطور المتوسط؛ مهنة تضعها يوميًا في تماس مباشر مع أسئلة الإنسان، واختياراته، وقلقه تجاه المستقبل. وبموازاة هذا المسار وجدت في الكتابة فضاءً آخر للإنصات والتعبير، فأصدرت عن دار إدليس للنشر والتوزيع روايتها الأولى “المسرحية الملعونة” سنة 2020، ثم “العاطلون” سنة 2024. بين الإصغاء إلى انشغالات الناشئة والبحث عن الإنسان داخل النص، تتشكل تجربة تجمع بين الممارسة المهنية والشغف الأدبي؛ ومنها ننطلق في هذا الحوار للاقتراب أكثر من رؤيتها للكتابة، وتجربتها مع الرواية، والأسئلة التي تقودها إلى الأدب…… حاورها ع/ خليفة

• بين مستشارة التوجيه التي تصغي يومياً إلى أسئلة المراهقين وقلقهم، والروائية التي تنصت إلى شخصياتها، أين تنتهي المهنة وتبدأ الكتابة؟

– خولة / الكتابة بالنسبة لي استمرارية دائمة داخل اليوم، قد نعتقد أننا سنرى الكاتب يمارس كتاباته فقط حين ينعزل داخل غرفته و يضع أمامه حاسوبه أو أوراقه و قهوته الساخنة و يبدأ في تدوين عالم مختلف و مميز عن الذي يعيش فيه
لكن الحقيقة التي لا نراها عادة أننا نكتب كذلك حتى بدون أقلام، داخل ذاكرتنا و داخل احاديثنا الداخلية اثناء رحلاتنا الروتينية لمراكز العمل أو أثناء قيامنا باي شأن آخر
ارى أن وظيفتي مناسبة جدا لي كروائية لأنها تتخللها كثير من فترات العزلة و الصمت أو الوحدة ،في الحقيقة وظيفتي تأخذ جانبا صغيرا جدا من المشاعر مثل كل تلك الاشياء الاخرى الموجودة في حياتي البسيطة
الكتابة تحاصر كل نشاطاتي الاخرى و تستنزف شغفي للمسؤوليات المختلفة، مسؤليات ضخمة قد تتوقف حياتنا عليها أحيانا، تبدأ الوظيفة اين تبدأ الوظيفة، تماما مثل كل شخص قرر أن يحصل على مكتب و يلتزم بمنشورات وزارية و مؤساستية في حين أن الكتابة فعل مستمر و متطفل جدا داخل حياة الانسان

• العمل في الوسط المدرسي يضعك أمام الإنسان في واحدة من أكثر مراحل حياته هشاشة وتشكلاً؛ هل غيّر ذلك تصورك للشخصية الروائية وللدوافع الخفية التي تحركها؟

– خولة/ لأكون أكثر صراحة، لم استطع أبدا أن أكتب شخصية مراهق أو طفل إلا بعد عملي في هذا المجال، كنت أخاطر أحيانا في اضافة شخصيات كهذه لكن عقلي كان يفشل كل مرة في كتابة هذا الجانب من الانسان، أعني المراهق، هذا الجزء المعقد و صعب الفهم، الذي يجب أن نحذر في برمجته بشكل غير مناسب أو اعطاءه مفاهيم خاطئة عن نفسه و عن العالم، أن تكون قريبا من الانسان في أكثر مراحل نموه تعقيدا، أعتقد انه تحد وعر نوعا ما و ممتع أيضا، مشكلات المراهقين مؤلمة، لذلك تعلمت كثيرا من هذا المجال ان أفهم ألم الانسان و كيف أنه مسؤول بشكل مرعب في تكوين مخاوفه و اعتقداته حول نفسه لذلك، أنا مدينة للارشاد بهذا الشيء الملهم

•درستِ الإرشاد والتوجيه، وهو مجال يقوم على فهم الإنسان ومساعدته في اكتشاف مساره. هل ترين الرواية أيضاً نوعاً آخر من البحث عن الإنسان، ولكن من دون إجابات جاهزة؟

– خولة/ سأفاجئك لأقول لك أن الارشاد أيضا لا يطرح إجابات جاهزة، انما يمدك بخطوات تقودك إلى اتخاذ قرار تتحمل مسؤليته بنفسك، قد تشترك الرواية مع الارشاد النفسي في هذا الجانب الجوهري لأن لديها كذلك وظيفة تفكيكية لحيوات الناس و معاركهم اليومية و صدماتهم، و هي تعمل عمل المرشد في الكثير من الاحيان، بل لدينا علاجات نُشرك فيها القراءة لكي تكون فانوسا ينير ظُلمة موحشة في عقل الشخص و تسمى هذه الاستراتيجية
الارشاد القرائي ندرس حالة المسترشد ثم نقترح عليه رواية تعبر عن ألمه و ننتظر بعد ذلك أن تقوم الرواية بسحرها تجاهه، هذا لأن الرواية تلمس المواضع التي قد يعجز عقلك الواعي على ادراكها و رؤيتها لأجل حمايتك من الألم، لنقل أن الرواية هي عبارة عن اداة استشعار مميزة تُعرفك عن دواخلك و تُكسبك نوع من التعاطف الذي نسي العالم أن يُعلمك إيها تجاه نفسك.

• صدرت روايتك الأولى «المسرحية الملعونة» سنة 2020، ثم «العاطلون» سنة 2024؛ ماذا تغير في رؤيتك للكتابة بين العملين، بعيداً عن مسألة النضج التقني؟

-خولة/ كتبت كثيرا قبل روايتي “المسرحية” و قرأت كثيرا أيضا لذلك كان هدفي الأول ،ليس أن أكون أفضل كاتبة إنما كان هدفي هو أن أظهر للجميع، أن أبدأ فقط و أن أضع قدمي داخل الرمال المتحركة و اشاهدها و هي تبتلعني دفعة واحدة، أعترف أنني تخلصت بعد المسرحية من أصوات الشارع الثقافي و بدأت أكتب بشكل حر
داخل رواية المسرحية، ستشاهد التردد و الخوف و عدم الثقة ،و ستلاحظ كل الافكار التي حرمتني من أن أمتد اكثر في كتابتها
لكن في العاطلون اظن انني كنت أكثر شجاعة و أكثر صدقا مع نفسي، استطعت كتابة مخاوفي و التحدث عن أدوار مختلفة و صناعة الشر كما أراه بشكله الجديد، و ليس بشكل ساذج قليلا في كما حدث في النص الاول (المسرحية) بين المسرحية و العاطلون تغير كل شيء تقريبا، التغير لم يحصل بسبب دراسة تقنيات كتابية جديدة أو اكتساب روتين كتابة جديد أو حتى استحضار اشباح كُتاب آخرين لكي أسير على خطواتهم الشهيرة في الكتابة، انما حدث ذلك فقط لأنني لم أعد خائفة من أن أكتب، كنت واثقة و اتمتع بشيء من الجاهزية .

•يحمل عنوان «العاطلون» دلالة اجتماعية مباشرة، لكن البطالة قد تكون أوسع من غياب الوظيفة؛ هل كنت تكتبين عن البطالة الاقتصادية فقط، أم عن شكل من أشكال التعطل النفسي والاجتماعي والوجودي؟

– خولة/ كل من يقرأ العنوان، يختار بنفسه أن لا يفهمه، إن العطالة عن العمل هي بالنسبة لي أمر أقل خطورة من أن يحتجز الانسان ذاته داخل أدوار لم يخترها لنفسه، هذا لأن عكس البطالة الاقتصادية قد يختفي حين تأتي الوظيفة، قد يكون لها جانب يمثل الاستقلالية، لكنها كذلك نوع آخر من الحبس أو الاستعباد
العاطلون تتحدث عن القوالب الاجتماعية، التي يُحبس فيها كائن مبهر مثل (الانسان) أحيانا يظهر لي المجتمع الذي نعيش فيه مثل جحيم مصغر أو مثل جزء من عذاب محتم يصعب الهرب منه، لماذا يجب أن أتصرف حسب سيناريو مقيت لم أصادق على كتابته، قد كتبه لي الأولون و قرروا في مكاني أن أعيشه لأنهم اعتادوا على أن يولد الانسان و يموت بهذا الشكل كأننا محبسون جميعا داخل the truman show
أنا كتبت العاطلون، لكي أدعم نظرية أن الإنسان مُخير و أنه حر في اختيار قيوده، و حر في العيش داخل الدائرة التي تناسبه حسب درجات النضج التي وصل اليها
شخصية مروان( محبوسة داخل الأمل المزيف)
شخصية بثينة ( محبوسة داخل المعتقدات )
شخصية مقداد و كلثوم (محبوستان داخل تعلق مرضي )
شخصية عثمان ( محبوسة داخل الماضي و الذكريات )
شخصية لالة عيشة ( محبوسة داخل شعورها بالذنب )
شخصية عمار (محبوسة داخل الغرور )
و هؤلاء هم العاطلون عن الحياة
العاطلون ، يحاول أن يقول بشكله هذا ، أننا عالقون و مراقبون و نعيش في سلسلة لا تنقطع من الأوهام المستوردة من الاخرين .

• إلى أي حد تستطيع الرواية أن تدخل إلى المناطق التي تعجز الدراسات الاجتماعية والإحصاءات عن الوصول إليها حين تتناول البطالة والتهميش والانتظار؟

– خولة/ دائما ما أقول هنا، أن للرواية صلاحيات أكثر جرأة من الدراسات، بدون أن نقلل من أدوار الدراسات الاجتماعية، التي قد تعجز في عالمنا العربي الاسلامي أن تصل الى أعماق الجرح الانساني أحيانا ، تستطيع الدراسات أن تحسب لنا حجم الدمار و عدد الضحايا في حرب افغانسان او العراق أو حرب فلسطين لكن العقل البشري المتعاطف المتعطش لمعرفة ألم الاخرين، يتوق لكي يقرأ ما ترويه الذاكرة البشرية، روايات مثل حدائق الرئيس أو الطنطورية التي توثق الدم و تحاكم العالم و تتحدى جبروت (الدكتاتور ) هذا ما قد تعجز دراسة على تحقيقه ، قد تقزم حجم المعاناة لتجعلها مجرد رقم قد يضعه الناس مع بقية الارقام الاخرى الموجدة داخل ذاكرتهم القصيرة
لكن القصة( الرواية) شكل مختلف من النحيب و البكاء و الصراخ، انها اداة مزعجة للضمير الانساني الذي يختار في كل مرة من الزمن أن يموت أو أن يتجاهل، اظن أنه في هذا الزمن الذي تتعرض فيه الدراسات الأكاديمية لمراقبات و تعطيلات بسبب عدم الخوض في المحذور او العجز الذي يصيبها بسبب عدم الدخول في طابوهات المجتمع فإن الرواية هي انفع وسيلة لكي نُخبر القارئ بالحقيقة

• عندما يكتب الروائي عن الفئات الهشة أو المأزومة، كيف يتجنب تحويل معاناتها إلى مادة سردية جميلة فقط؟

– خولة/ في نظري يجب على الكاتب أن يحمل نفسه مسؤولية واحدة، أن يتوقف عن انتزاع انسانية الشخصيات، يعتقد جل هؤلاء الكُتاب أنهم ينجحون كمؤلفين حين يتمكنون من استفزاز مدامع القارئ بسبب الوصف و الجمالية السردية و هو يحكي عن جوع الأطفال و يتمهم و عن عوالمهم المتأزمة، إنه يرمي بنفسه لإستعطاف القارئ لأجل شراء انتباهه، في حين أن هؤلاء المزيفين، لا يبكون حقا انما يسعون لجعل القارئ يشيد بقدراتهم الخارقة في التصوير، سيظهر ذلك جليا لكل قارئ محلل حقيقي، اذا قررنا الكتابة عن الألم يجب علينا أن نكتب أيضا عن القوة و عن الطمع و عن الانتقام و أن نكتب بذلك النُبل الذي يقودنا في الاخير لكتابة الانسان الحقيقي داخل المعاناة، الانسان الخائف المغرور و اليائس ايضا

•هل تعتقدين أن الكاتب مطالب بأن يحمل موقفاً من المجتمع، أم أن مهمته الأساسية هي كشف تناقضاته وترك الحكم للقارئ؟

– خولة/ أظن أنني أقرب كاتبة قد اتخذت موقفا من المجتمع، قد يصعب عليك يا سيدي أن لا تتخذ موقفا من المجتمع و قد كُتب عليك ان تعيش فيه و أنت (إمرأة) مع أنني أكره أن أُختزل داخل دور الضحية، إلا أننا مفجوعات طوال الوقت في أبسط الحقوق، و محصورات داخل أقسى الأدوار، و منقادات الى تحمل عبئ لم يكتب علينا انما ابتدعوه لنا لكي يتنصلوا هم بدورهم من مسؤليات ثقُلت عليهم، هذا وضع لا يساعدني لكي أكشف تناقضات معينة للقارئ العربي لأنني أعتقد أنه قد تعرض لزمن طويل الى مصادرة ممنهجة، لذلك احب استعمال جملة
(العقل المُصادر ) في وصفه ، انه مصادر من مؤسسات و جهات معينة و من وسائل الاعلام و القنوات الممولة التي تنشر فكرة واحدة ( كيف تصبح جاهلا ؟) يعيش عقله داخل قضبان حديدية أحيانا يصعب التخلص منها، لا أدعي ان هذا هو الحُكم العام، و لكننا جميعا بدأنا هكذا و كدنا أن نصبح نسخ مكررة من الاخرين، لذلك اتمنى أن نحصل في المستقبل على قارئ مخلص و حر .

• عنوان «المسرحية الملعونة» يوحي بوجود عالم تحكمه الأقنعة والأدوار. هل تنظرين إلى المجتمع نفسه باعتباره مسرحاً كبيراً يتعلم فيه الإنسان تمثيل الشخصية التي يُطلب منه أن يكونها؟

– خولة/ خاصة في العالم العربي، الانسان يولد لكي يكون لديه مهمة واحدة، هو تحقيق توقعات الاخرين و ارتداء الافكار التي تريحه دائما و تضمن له الانضمام الى أكبر فئة آمنة تصادفه، هو لا يتعلم عادة شجاعة الاختلاف و الحفاظ على تميزه و انما يفضل التفكير كما وصاه أسلافه ، كأنما الفكرة تحولت إلى إرث ثمين يصعب اجتثاثه، الانسان العربي تعلم أن يطمس وجهه و يخفي حقيقته لأنه معرض للإدانة ( بأنه شخص غير صالح)
في المسرحية الملعونة تتحدث عن شخصيات مرضية تمر بتغيرات قد تكشف لها أسوأ ما فيها

• ما الذي يعنيه لك أن تصدر كاتبة شابة من بسكرة روايتين؟ هل ما تزال الجغرافيا الثقافية في الجزائر تؤثر في فرص الكاتب وحضوره؟

– خولة/ أنا شخصيا رغم كل السلبيات التي أجدها في السوشل ميديا إلا أنني ممتنة جدا لوجودها، أعتمد على حضوري في مواقع التواصل حتى أسوق لوجهي و نصي بشكل أكثر حرية، أما مُشاركتي الشخصية في الملتقيات الأدبية أتعمد كليا أن أُبقيها نادرة جدا أو حين يكون الملتقى متعلق بموضوع (الرواية) و هذه ايضا ندوات و ملتقيات نادرة الوجود في ولاية بسكرة حيث أن المؤسسات الثقافية داخل الولاية ،تعني بإستدعاء فئة واحدة مكررة في كل تظاهرة ثقافية، و هي مجموعة من مثقفي الولاية الذين يمثلون اساتذة و مذيعين و نقاد يتكرر حضورهم و تكريمهم و بروزهم في كل مرة اذهب فيها الى ملتقى معين، و تكون مشاركاتهم مكررة و اسمع في كل مرة ايضا نفس المديح لبعضهم البعض و هذا ما يجعل الثقافة في هذه الولاية تشبه ساعة معطلة متوقفة في الزمن ولا تتحرك على الاطلاق، شباب هذه الولاية مهمش، لأن المؤسسات تنظم تظاهرات على مقاساتها و على مقاسات ضيوفها الدائمين الذين قد جمعوا جبلا من أوراق الشهادات المطبوعة بأسماءهم
أنا شخصيا أتفاجأ أن مثقفي ولايتي لا يعرفونني لكن مثقفي ولايات اخرى يعرفون نصي ووجهي و يحتكمون لرأيي و يتمنون حضوري و تقدم لي دعوات من مختلف الولايات الا في ولايتي، لذلك اجابة على سؤالك، قد تؤثر جغرافيا المكان على بروز شخص ما كما يؤثر منصبه أو حتى جمال مظهره في هذا الزمن الهش الذي نعيش فيه
لكنني أنا أقول أنه لم يعد هذا يمثل مشكلة بالنسبة لي، بعد الان ، و لست ادري ان كان سيؤثر في المستقبل

• هل يشعر الكاتب القادم من مدينة خارج المركز الثقافي بأنه مطالب ببذل جهد مضاعف كي يُسمع صوته، أم أن وسائل النشر الحديثة بدأت تكسر هذه المركزية؟

– خولة/ أحيانا انتقد هذا الأمر، أن تكون مطالبا ببذل جهد عظيم لتصبح في الاخير صياد (الفالورز) بدلا من كاتب أو مثقف، ان يصبح الانسان المفكر يتحدث الى ارقام بدلا من العقول، لكن كما يقولون لكل زمن مقاساته، يجب على الكاتب أن يزامن الوقت الذي يعيش فيه، لقد كان الكُتاب الذين عاشوا في وقت ديستوفسكي مثلا يلجؤون للجرائد حتى يتبارزوا فكريا و قد كانت الجرائد في ذلك الوقت عبارة عن أحدث وسيلة إعلام توصل اليها الانسان، بل الوسيلة الاشهر و الأمتع و الأكثر خطورة و اغراءا للكُتاب و للصحفيين، لا أجرم أن يكون للكاتب حضور مضاعف فهو فرد يعيش في زمن معقد و سريع لذلك فمن البديهي أن يُرى و يُسمع و يبرز غير انه يجب ان يكون حذرا على ان يؤثر بروزه على عزلته و وقته الذي يجب ان يقضيه في التزود و المطالعة .

• بحكم عملك مع التلاميذ، هل تلاحظين أن المدرسة اليوم تساعد الشاب على اكتشاف ذاته، أم أنها تدفعه غالباً إلى البحث عن مكان داخل منظومة جاهزة؟

-خولة/ لنعد قليلا الى الماضي، هل كانت المدرسة مكانا آمنا لمواهبنا و مشاعرنا تجاه انفسنا في وقت مضى؟،لا أعتقد ذلك تُعلمك المدرسة كيف تكتب و تقرأ و تحفظ الدروس ،قد تدرب لك عضلة المخ احيانا و تكسبك نوعا من الالتزام، لكنها تُعلمك أشياء خاطئة حول نفسك، مثال على ذلك، قد تعلمك أنك مجرد تحصيل دراسي، و تعلمك أنك غبي أو انك أقل من الاخرين، قد تنتج لنا المدرسة أفراد مساعدين للموافقة على دكتاتور اخر في المستقبل هذا ما قد ينتجه لنا التعليم اليوم، انه يأخذ بالتلميذ الى هاوية مثيرة للخوف، قد أقول أن المدرسة اليوم مسؤولة بشكل ما عن صناعة ضياع مخرجاتها ، ضياعهم فكريا ووظيفيا و حتى نفسيا، فهم يخرجون منها لا يملكون الاجابات الكافية عن انسفهم و عن العالم، المدارس الجزائرية، خالية من ثقافة النوادي و المسابقات الثقافية الادبية او الرياضية، و الاشارة لهذه النقاط قد يساعد في الانتباه لها و محاولة تداركها، لأننا نهتم بصناعة الفرد و تميزه.

• هل منحتك دراسة الإرشاد النفسي أدوات إضافية في بناء الشخصيات، أم أنك تتعمدين نسيان المعرفة الأكاديمية عندما تدخلين إلى فضاء الرواية؟

– خولة/ من اليوم الأول الذي دخلت فيه أبواب كلية التربية في بسكرة، تغيرت نظرتي للمجتمع و للأفراد في كل مراحل النمو الخاصة التي يمرون بها.
العلم، انا أعتبره بوابة ثمينة للحصول على أكثر الشخصيات تأثيرا، و أكثر الموضوعات التي قد تصنع أثرا في حياة القارئ، سيعجز اي كاتب لفرز ادواته اثناء الكتابة ربما قد اكتسبت قدرات خارقة في فهم الاخرين و الانصات اليهم و تحليل حركات، أعينهم و قياس حجم التعرق الذي يصيبهم اثناء الكذب و التهرب ربما عالج الارشاد مشكلة أو فراغ معرفي لم أكن قد تفطنت له في السابق عن (الانسان اثناء الأزمات ) النفسية و الوجودية التي تصيبه، لكي اختصر الامر، الارشاد عبارة عن بعد آخر تتعلم فيه كيف تتعاطف مع الاخرين و الرواية ، احيانا اراها ان انجازها بشكل جيد يحتم عليك العيش في احذية كل تلك الشخصيات التي خلقتها داخل النص، هذا نوع اخر و جانب مختلف من التعاطف ايضاء، ان الروائي الجيد، لن ينجز شخصيات عملاقة تمثل الشر ، الا أن يضع لها ماضٍ قادها لكي تبطش و تعادي المجتمع، بداية من موريارتي الذي كان ساخطا عن المجتمع الى ادموند دانتيس في العملاقة ( الكونت دي مونتي كريستو ) نحن جميعا نريد ان نعالج انفسنا داخل هذه النصوص
أن نكتب عالما نشفى داخله أو أن نتحدث الى ذلك الاخصائي الذي يريد يساعدنا على كتابة بدايات جديدة لأنفسنا، هل تجد هناك فرقا !؟ لا اعتقد ذلك

•هناك فارق بين أن “نفهم” الشخصية نفسياً وأن نجعلها حية أدبياً. كيف تتعاملين مع هذا الفارق أثناء الكتابة؟

-خولة/ هنا قد نكون في مواجهة الذاكرة الانسانية، لا يموت الانسان حقا، اذا بقي حيا داخل ذاكرة من يحبونه دائما ، و كيف ذلك حسب رأيك؟ نحن نتذكر كلماتهم و حتى اصوات مشيتهم، نتذكر نبرات الضحك و البكاء، و حتى اصوات الغطيط التي كانت تصدر منهم في الايام التي غفوت فيها الى جانبهم
ما أريد ان أقوله هو أننا ككتاب، يصعب علينا ترجمة فكرة معينة الى شخص يكاد ينبعث من الورق حتى يصبح من لحم و دم، لذلك نحاول دائما ان نجعل الشخصية قريبة جدا الى جراحنا و لحظاتنا المحرجة و أن نجعل لها حُرية تدخلها في أخطائها الصبيانية و الطفولية و نجعل لها عيوبا و عِلة أو شهوة ، انا على سبيل المثال اعتمد كثيرا، على السؤال و الدهشة داخل النص، غيري قد يعتمد على امراض شخصياته و هوسهم و كوابيسهم، مثل دستويفسكي و دي يالوم ربما شخص اخر قد يعتمد على تشوهات النفس مثل كافكا ، كاتب آخر قد يعتمد غباء شخصياته و حماقتهم حتى يقرب الشخصية من مشكلات الانسان (القارئ)
ان ينتقل الكاتب من مرحلة التشخيص الى مرحلة التجسيد يعني ان ينتقل من الهامش الى وسط الحلبة ان تقول مثلا ان شخصيتي تمتلك طبعا حادا هو أمر واحد
لكن أن تجعلها تبدو كذلك داخل النص، يضعك داخل معضلة كتابة الحركة و الصوت و اللون و الرائحة ، و هذا بتأكيد هو شيء اخر تماما

•بعد روايتين، ما الذي أصبح يقلقك أكثر: العثور على الحكاية، أم العثور على الطريقة التي ينبغي أن تُحكى بها؟

– خولة/ لا أظن أن عقل الانسان الذي قُدر له أن يصبح كاتبا، هو عقل راكد و خالٍ من الافكار الجديدة، قد تقتحم الافكار الاخرى عالمك و انت منهار امام نصك الذي لم يكتمل بعد، الافكار الجديدة قد تلاحق الكاتب أحيانا مثل بائع متجول مزعج أو نحلة عنيدة تحوم حول رأسك طوال اليوم و خاصة أثناء انشغالك الشديد في معارك الحياة،
و لن تصمت هذه الاصوات الا بعد ان تبدأ في وضع المشروع الكتابي الجديد، التحدي الاكبر بالنسبة لي هو أن لا أكرر نفس الرواية في نصوصي الاخرى أن لا اكرر نفس النهايات و نفس السقطات أو نفس الثيمة
أن لا أكتب ابدا نفس الجراح، لذلك اعتقد ان ايجاد طرق جديدة لسرد الفكرة و التأثيث لها يعد أحيانا مستحيلا، تجد الكثير من الكتاب الذين يكررون نفس الشخصيات و طريقة تفكيرهم في نصوصهم الجديدة كأنهم لا يستطعون اخراج النص الاول من ارواحهم ابدا لشدة انغماسهم في فكرته و اسلوبه السردي
قد يقع الكاتب حينها في فخ التكرار و يحتجز نفسه داخل دائرة واحدة لا يهرب منها ابدا الا اذا كسرها بنفسه
قد تبدو لي ان الفكرة تمثل الجسد لكن طرق الحكي هي الروح،التي اذا لم تكن، قد تتحول لنا اجمل الافكار الى مجرد مقالات سيئة لا روح فيها .

• هل تكتبين لأن لديك ما تريدين قوله، أم لأن هناك أسئلة لم تستطيعي العثور لها على إجابات خارج الأدب؟

-خولة/ السؤال في الكتابة ليس دائما هو محاولة ايجاد اجابة معينة، أحيانا هو وسيلة اخرى للتعبير، فبمجرد أن تطرح سؤال ( لماذا يحدث هذا) فقد يبدأ الكثيرون في تفقد انفسهم و ضمائرهم، انه الطريقة الأمثل لكي يندفع الانسان الى مساءلة نفسه و العالم الذي من حوله، لهذا السبب قد اعتمد على السؤال لقيادة القارئ لكي يفهم مالذي أريد أن أقوله
لا توجد اجابة واحدة لكل تلك الأسئلة أظن أنها عملية شديدة التعقيد كونك موضوع داخل مجال لا توجد فيه اجابات قاطعة، احيانا اعتقد ان مهمة الادب لم تكن أبدا أن نجد الحل بل يمنحنا مساحة أكبر للتأمل و الفهم أو محاولة الفهم، لهذا للسبب قد يحدث في حياة كل الكاتب أنه يقضي مدة من الزمن و هو يبحث في نصوصه عن المعنى

• ما الذي تخشينه على تجربتك أكثر: التكرار، إرضاء القارئ، أم الوقوع في صورة مسبقة لما يجب أن تكون عليه “الكاتبة الشابة”؟

– خولة/ أظن انني قد مررت على كل هذه التجارب التي وقعت فيها نتيجة لنقص النضج الادبي و التوجيه الصحيح، أستطيع أن اتفادى التكرار على سبيل المثال، لكنني لا استطيع أن أتخلص من ذلك القارئ الشرس الذي يسكن داخل مخيلتي، الذي يسخر من كل جملة أكتبها و من كل حرف أفكر في وضعه، و الذي يحتجزني في كل مرة داخل عالمه المثالي، الذي يمنعني من الكتابة بالحرية التي أقرأها في كتّب الاخرين
في الجانب الاخر من السؤال
حين قلت لي أنني قد أخاف من الوقوع في الصورة المسبقة لما يجب ان يكون عليه كاتبة شابة.
ان هذا السؤال مصاغ بشكل دقيق لكنه يرمي بي للاجابة عنه بشكل اكثر توسعا
نحن هنا في هذا العالم العربي الذي نعيش فيه نخاف كثيرا من أن نكون نسخا حقيقية عن انفسنا بسبب ان المجتمع يكشر عن انيابه لكل شخص يمثل الاختلاف او يمثل عدم التوازن المطلوب الذي يرونه صحيحا
قد يلمس هذا الخوف كل الجوانب الرائعة التي فينا، اعلم انني أستطيع ان أكون شخصا مميزا، كاتبة مميزة، لكن القيود احيانا تكون أضيق مما نظن
اننا لا نستطيع ان نخرج كل تلك النُسخ المشوهة من أنفسنا بهذه السهولة سيتطلب الامر تضحيات و خسارات و معارك فاشلة، انا كاتبة غاضبة، هذه هي الصورة التي اراها عن نفسي طوال الوقت، كاتبة غاضبة جدا، و لها عقد لا نهاية له مع البكاء على ما يحل بهذا العالم، و لكن العالم يفضل المثقفين الصامتين والبراغماتيين و الخائفين الذين يوالون الناس و يلعقون أحذيتهم
اظن ان العالم أصبح ينفي مفهوم جوليان بيندا للمثقفين و ينفي ما كان يعتقده مالك بن نبي و ادوارد سعيد عن المثقفين
أنا أتمنى ان يسمحلي مجتمعي بأن أكون كاتبة شجاعة و لا ينقلوا لي مخاوفهم طوال الوقت و تشوهاتهم الفكرية كأنها مرض معدي أو لعنة متوارثة

• هل تعتبرين النجاح الأدبي مرتبطاً بالانتشار والجوائز، أم بقدرة النص على أن يترك بعد انتهائه سؤالاً لا يستطيع القارئ التخلص منه؟

– خولة/ نحن نتذكر الكُتب الرائعة بسبب القراء الرائعين الذين يرشحون لنا أجود ما قرؤوا.
و لا نتذكر الجوائز التي فازت بها تلك النصوص على الاطلاق مثلا، اذا سألتك كم جائزة أدبية قد تحصلت عليها رواية البؤساء !؟ كم جائزة أدبية تحصل عليها نص العمى لخوسيه ساراماغو!؟ هل سوف نتذكر الوهج الذي يخفت في اسبوع واحد بعد نيل الجائزة
موقفي من الجوائز ليس عدائيا بدرجة كبيرة، إنما أنا أعادي النظرة المهووسة التي تُسيطر على كُتاب اليوم، أعتقد أن المثقف الذي يكتب هو شخص يستطيع مخاطبة الطلبة و الأطباء و المعلمين و المدراء و العاملين، يستطيع مخاطبة الطبقة الوسطى،تلك التي تمتلك قوة تحديد مصير الدولة، لذلك كان من الواجب عليه أن يتحرر من هوس الجائزة التي تحبسه داخل معايير يجب ان يحيد عنها ،و أن يولي كل ولاءه للفكرة و الانسان و للقضية الانسانية، احيانا اعتقد ان الجائزة هي أداة سيطرة، خاصة تلك الجوائز المفضوحة، التي تخضع للكولسة و الاستغلال المثير للشفقة للكُتاب الجدد أو ذوي الشخصيات الهشة و الرؤى المريضة
أدعم فكرة الجائزة، لكنني أنبذ فكرة أن تكون معيارا للجودة أو للأفضلية، إن القارئ وحده هو المسؤول عن تحديد هذا الشيء هو وحده المسؤول عن احياء الكتب أو قتلها، لكن كُتاب هذا الزمن لا يتعلمون الصبر، لا يصبرون على فنونهم، انهم يريدون العظمة في أول لحظات بزوغهم الكتابي، و يفضلون أسبوع الشهرة الذي يأتي بعد نيلهم الجائزة التي عادة ما يكون تتوجهم بها مزيفا و مخدوعا.
حين ينظر كُتاب اليوم الى رأيي فقد ينزعجون من الأخلاق الأفلاطونية التي أرهقهم بها طوال الوقت، و من البنود القاسية التي قد أضعها حول أهدافهم الربحية، لكن نظرتي لفعل الكتابة يكاد أن يكون مقدسا و منزها، ربما قد يحدث ذلك لتصادم الغايات فحسب
قد تضمن لك الجائزة إسما لبعض الوقت، لكنك قد تموت في النهاية و تُنقلك نصوصك الى مقبرة الكتب المنسية و لن يكون لك (دانييل سبمبيري ) لكي ينقذها من النسيان
لكن الأجيال المتعاقبة من القراء الذين يتوارثون نصك مثل ما يتوارثون أثمن القلائد و الأملاك هم وحدهم القادرون على تحقيق نجاحك الذي تستحقه

• في زمن تتسارع فيه الكتابة والنشر والاستهلاك، كيف يمكن للروائي الشاب أن يحمي تجربته من الاستعجال ومن إغراء الحضور المستمر؟

– خولة/ حماية التجربة الروائية من السطحية قد يحتاج في بعض الاحيان لبعض الترتيبات المهمة في حياة الكاتب، يجب عليه أن يتعلم كيفية الضفر بعزلته و الاحتفاظ بها لأبعد وقت ممكن حتى يستطيع ان ينال النص أكبر وقت النضج و الوضوح، اما للنصوص الاستعجالية فهي تفتقر للتراكم الشعوري و المعرفي و الفكري.

__________________________