لم يكن الطيران يومًا وعدًا بالتحرر، بل كان منذ أول خفقة امتحانًا دائمًا للبقاء في الهواء.
تُلقى الروح في الريح قبل أن تتعلم الإصغاء إليها. تكبر وهي تظن أن التحليق يعني العثور على سماء هادئة، حتى تكتشف أن السماء لا تمنح الجناح معناه إلا حين تضطرب.
تدهمك العاصفة بلا استئذان، تضرب من الجهة التي نسيت أن تحسب لها حسابًا. يتشقق الريش تحت وطأة الوقت، ويصعد إلى الحواس طعم المطر الممزوج بالرماد. ترى البرق يشطر العتمة، كأنه يكتب على جسدك الأعزل سؤالًا لا يملك أحد إجابته.
في اللحظة التي يوشك فيها الجناح على التسليم، يتجلى السر: لم تكن تطير بقوتك الذاتية وحدها، بل بصلابة ما تعلمته من مقاومة الريح.
الريح لا تسأل أحدًا عن جهوزيته. تضع الهشاشة أمام عينين مفتوحتين، لكنها تكشف في الوقت ذاته ما كان مستحيلًا أن تراه في السكون. فالهواء الهادئ يمنح إيهامًا بالقوة، أما العاصفة فتعرّي المعدن الأصيل.
السقوط ليس نقطة الختام، بل لحظة المبتدأ.
ليس لأن العواصف تجعلنا أقوى بالضرورة؛ فبعضها يترك في الأنسجة كسورًا غائرة، وبعضها ينتزع منا ما لا يُسترد. لكن الإنسان، وإن عجز عن اختيار نازلته، يملك خبيئة أعمق: الشجاعة التي يحمل بها ثقل ما حدث.
وحين يمتد الجرح إلى ما وراء الكلام، يتغير السؤال: لا كيف تهزم الريح، بل كيف تعبرها دون أن تتلاشى؟
عندها يسقط التصور القديم للتحليق.
لم تعد الغاية الانتصار على العاصفة، ولا انتظار سماء وادعة. يصبح الطيران نضالًا لحفظ ما بقي منك، بينما يعيد الضغط تشكيلك من الداخل؛ وينشغل الجناح بالثبات، كي لا يغدو السقوط هو التعريف الأخير لك.
تلك هي المعاهدة الغامضة بين الطائر والريح: كلاهما يصقل الآخر؛ الجناح يحتاج الريح ليعرف حدوده، والريح تحتاج الجناح ليتجسد أثرها في الوجود.
وحين تهدأ العاصفة، تنظر إلى الجناح الذي ظننته مكسورًا، فتراه قد تغير. تركت الريح فيه خطوطها، وتركت أنت فيها حركتك.
النجاة ليست استعادة الذات الأولى قبل العاصفة، بل شجاعة اللقاء بالذات الجديدة التي ولدت من رحم الاضطراب.
وفي النهاية، لا تعود الريح عدوًا ولا صديقًا؛ تصبح جزءًا من الحكاية التي أعادت تشكيل جناحيك. أما الجناح، فليس ضمانًا من السقوط، بل إرادة تصنع، بعد كل انكسار، سببًا جديدًا للارتفاع.
ثم تمحى التخوم؛ فلا تدري أين ينتهي الريش وأين تبدأ العاصفة…
هناك فقط، يجد الجناح صوته الحقيقي.
أجنحة الرياح.. بقلم أ. عبد العالي لعجايلية
IMG 20260819 WA00001
