إعداد.. ومضات أمل الثقافية
في شمال فرنسا، حيث تبدو المدن الصغيرة أكثر هدوءاً من أن تخفي وراءها أشواطاً كبرى من التاريخ- تقف ( بافاي Bavay ) كشرفة مفتوحة على زمن آخر؛ مدينة لا تحتاج إلى الكثير من الزينة كي تستدعي ماضيها.. فما بقي تحت أرضها وفوقها يكفي ليعيد الزائر قرابة ألفي عام إلى الوراء، حين كانت تُعرف باسم Bagacum وتشغل مكانة مركزية في بلاد الغال الرومانية بوصفها عاصمة لشعب النيرفيين
لم تكن أهمية بافاي وليدة المصادفة، فقد قامت المدينة القديمة بمفترق الوجهات عند ملتقى الطرق السبع الرومانية وهو موقع منحها ثقلاً استراتيجيا وجعلها نقطة عبور بين جهات مختلفة من الإمبراطورية.. فمرت عبرها التجارة والجيوش والمسافرون، وتحولت المدينة تدريجياً إلى مركز تتقاطع فيه الإدارة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية- وما يبدو اليوم بلدة هادئة في إقليم الشمال الفرنسي كان في زمن بعيد مكاناً تتحرك داخله واحدة من الشبكات الحيوية التي ربطت أطراف العالم الروماني بعضها ببعض
وفي قلب هذه الذاكرة يقف المنتدى الأثري في بافاي.. والذي يُعتبر أكبر منتدى غالو-روماني اكتُشف في فرنسا، حيث تمتد بقاياه على مساحة تزيد على 2.5 هكتار وتكشف جدرانه وأقواسه وممراته عن فكرة المدينة الرومانية أكثر مما تكشف عن مجرد مبانٍ اندثرت؛ فالأخير كان فضاءً تمارس فيه السياسة والتجارة والشعائر والحياة العامة، ولذلك فإن التجول اليوم بين أطلاله لا يشبه زيارة نصب تاريخي منفصل عن محيطه، بقدر ما يشبه الدخول إلى قلب مدينة توقفت حركتها وبقي شكلها يروي ما كان يحدث فيها
ولعل ما يمنح بافاي جماليتها الخاصة أن الماضي فيها لا يُعرض باعتباره شيئاً ميتاً خلف واجهات المتحف؛ فالموقع الأثري ما زال مجالاً للبحث والكشف.. وقد جرى استكشاف عشرات الآلاف من الأمتار المربعة منه فيما لا تزال أجزاء أخرى تنتظر الحفريات والدراسة وكأن المدينة القديمة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد. وإلى جانب الآثار- يؤدي المتحف دوراً في إعادة بناء صورة Bagacum من خلال القطع المكتشفة ووسائل العرض الحديثة وإعادة التصور ثلاثي الأبعاد.. بحيث لا يرى الزائر الحجر فقط، لكنه يستطيع أن يتخيل المدينة حين كانت ممتلئة بالأصوات والحركة والوجوه
لهذا لا تبدو بافاي مجرد محطة أثرية في شمال فرنسا، وإنما مكاناً يضع الزائر أمام ذلك السؤال الذي تصنعه المدن القديمة بصمت- كم من الحياة يمكن أن تختفي.. بينما تبقى بضعة أحجار قادرة على تذكيرنا بأنها كانت هنا؟ ففي بافاي لا يأتي التاريخ على هيئة حكاية بعيدة، هو يظهر تحت القدم وبين الجدران، وكأن الزمن مرّ من المكان من دون أن ينجح تماماً في محوه.




