الحفر في الوعي ومساءلة أثر الزمن- ثمة كتب تُقرأ ثم تُترك على الرف، وكتب أخرى لا تنتهي صفحاتها عند الصفحة الأخيرة؛ لأنها تترك في القارئ سؤالا يواصل حياته في الذاكرة. ينتمي «نقوش أبدية» إلى هذا النوع من الكتابة التي لا تكتفي بسرد التجربة، بل تجعل منها مدخلا إلى أسئلة الإنسان عن ذاته، وذاكرته، وزمنه، وما يتركه العيش في أعماقه من آثار يصعب محوها.
يتشكل الكتاب أسلوبيا عبر جنس أدبي عابر للحدود؛ نسيج يتداخل فيه التأمل الفلسفي، والشذرة الوجدانية، والسرد التأملي. ومن هنا يبدو «النقش» أكثر من مجرد عنوان؛ إنه استعارة مركزية لما يفعله الزمن بنا. فنحن لا نخرج من التجارب كما دخلناها؛ بعضها يمر ثم يتلاشى، وبعضها يستقر في الداخل ويعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالعالم.
لهذا تتحول الكتابة إلى نوع من الحفر الأركيولوجي في الوعي؛ حفر لا يبحث عن صورة نهائية للذات، بقدر ما يتتبع آثار ما مر بها. فالكاتب يضع ذاته أمام القارئ وهي تتشكل من الذاكرة والفقد والانكشاف والمواجهة، لتتحرك النصوص من «أوركسترا الانكشاف» إلى «نقش الاسترداد»، ومن «غياهب الفراق» إلى «زنزانة الوجود»، وكأن العناوين شظايا من سؤال واحد طويل: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن تعيد التجربة تشكيله؟
ما وراء الأحكام القطعية: تعقيد التجربة الإنسانية
يمكن قراءة الكتاب من زاوية تفكيكية، لكن ليس بمعنى إقامة النص على ثنائيات حادة ثم تقويض أحد طرفيها. فاللافت أن «نقوش أبدية» يتجنب الأحكام القطعية، ويفتح بدلا منها مجالا تتداخل فيه المعاني وتتجاور الحالات الإنسانية دون أن تختزل في تعريف واحد.
فالإنسان في الكتاب لا يظهر بوصفه كائنا مستقرا على صورة واحدة؛ قد يحمل يقينه وشكه، قوته وهشاشته، ذاكرته وفقده، في التجربة نفسها. وما يبدو متناقضا في الظاهر قد يكون، عند الاقتراب منه، جزءا من حقيقة واحدة أكثر تعقيدا.
ومن هنا تبدو إحدى خصوصيات الكتاب في رفضه للصورة المكتملة للإنسان. فالمرء قد يكتشف أن بعض ما اعتبره يقينا لم يكن سوى تفسير مؤقت لتجربة لم تكتمل، وأن ما ظنه انكسارا نهائيا قد يتحول، مع الزمن، إلى معرفة جديدة بالذات.
وبهذا المعنى يصبح «النقش» مختلفا عن دلالته التقليدية. فهو لا يمثل صلابة ثابتة في مواجهة الزمن، بقدر ما يصبح أثرا لما فعله الزمن بالإنسان؛ علامة على ما انكسر، وما بقي، وما أعيد تشكيله.
وتختزل هذه الرؤية العبارة:
««لست أنا… بل ما تكسر مني»»
فالذات هنا لا تظهر ككيان مكتمل ظل كما هو، وإنما ككائن يعيد بناء نفسه من آثار التجربة. إنها لا تُعرّف فقط بما حافظت عليه، بل أيضا بما فقدته، وما قاومته، وما اضطرها الألم إلى إعادة النظر فيه.
وهنا ينتقل السؤال من البحث عن تعريف ثابت للذات إلى مساءلة ما تصنعه التجربة فيها: هل نحن ما حافظنا عليه من أنفسنا، أم أننا أيضا مجموع ما فعلته بنا الأشياء التي عشناها؟
الذاكرة: حين يعود الماضي من جهة أخرى
في «مرايا الزمن في مقهى النسيان» و«غياهب الفراق»، لا يظهر الزمن مجرد خط يمتد من الماضي إلى المستقبل، بل يبدو أكثر تعقيدا؛ فالماضي قد يعود كلما ظن الإنسان أنه تجاوزه، وقد يتغير معناه كلما تغيرت زاوية النظر إليه.
فالذاكرة لا تحفظ الأحداث كما وقعت فقط، وإنما تعيد ترتيبها من موقع الحاضر. والنسيان بدوره ليس محوا مطلقا؛ فقد يغيب الشيء عن الوعي المباشر، بينما يستمر أثره في طريقة التفكير والشعور والاختيار.
ومن هنا ينتقل الكتاب من السؤال السردي: ماذا حدث؟ إلى السؤال الأعمق: ماذا فعل بنا ما حدث؟
وهذا التحول يمنح التجربة الشخصية بعدها الفلسفي؛ فالحدث لا يعود مهما بوصفه واقعة مضت، بل بوصفه قوة ما تزال تعمل في الحاضر.
من الذات إلى اغتراب العالم المعاصر
لا يبقى «نقوش أبدية» أسير التجربة الفردية، بل تتسع دائرته لتلامس الإنسان في زمن السيولة الرقمية.
في «سامري الأمس واليوم: غواية الضوء الأزرق»، يتحول الضوء المنبعث من الشاشات إلى علامة على عصر تتضاعف فيه الصور والمعلومات، بينما قد يتراجع الإصغاء إلى الداخل. يستطيع الإنسان أن يرى العالم من خلال شاشة، لكنه قد يفقد، وسط هذا التدفق، القدرة على رؤية نفسه.
وهنا لا تصبح التقنية عدوا جاهزا ولا خلاصا جاهزا؛ فالكتاب لا يسقط في إدانة سطحية للعصر الرقمي، وإنما يسأل عن اللحظة التي يتحول فيها الضوء إلى بديل عن المعنى، وحين يصبح الاتصال المستمر بديلا عن الإصغاء الحقيقي.
ومن «مدارات العقل» إلى «شتات الماهية»، ومن «تضاريس الهباء» إلى «تحليق الروح فوق القضبان»، تتشكل أمام القارئ تضاريس داخلية لإنسان يحاول أن يفهم ما الذي حدث له، وما الذي بقي منه، وما الذي يمكن استرداده دون وهم العودة إلى نقطة البداية.
رهانات القراءة ومخاطرة الكثافة
يطلب الكتاب قارئا متأنيا. فالتداخل الرمزي والتكثيف الصوري يمثلان أحد رهاناته الأساسية؛ إذ إن تراكم الصور والتأملات قد يجعل الإيقاع أبطأ بالنسبة إلى قارئ يبحث عن السرد السريع.
كما أن عودة بعض الثيمات في أكثر من موضع تمنح العمل وحدة موضوعية، لكنها قد تجعل بعض المقاطع متقاربة في النبرة والدلالة. وهذه ملاحظة تستحق الانتباه، لأن الكثافة التي تمنح الكتاب خصوصيته يمكن أن تتحول، في بعض المواضع، إلى عبء على القراءة إذا لم يمنح القارئ نفسه الوقت الكافي للتوقف وإعادة النظر.
لكن هذه الكثافة تظل جزءا من طبيعة المشروع؛ فالكتاب لا يقدم نفسه لقراءة خاطفة، وإنما يراهن على قارئ مستعد لمكابدة النص والعودة إلى بعض طبقاته أكثر من مرة.
السيرة الفكرية خارج المثالية
من أكثر خصائص الكتاب إثارة للاهتمام أن التجربة الشخصية لا تُستخدم لإنتاج صورة مثالية عن الكاتب. فالذات تظهر وهي تواجه تناقضاتها، وتتردد، وتتألم، وتتعثر، وتعيد النظر في بعض يقينياتها.
وهنا تكمن إحدى نقاط الصدق في التجربة؛ فالسيرة لا تقدم بطلا انتصر على هشاشته، وإنما إنسانا يحاول فهمها.
وفي «خارج النص» يمكن قراءة هذه الفكرة من زاوية أخرى: محاولة استعادة حق الإنسان في التفكير خارج القوالب التي سبق أن صاغها الآخرون له.
فالتحرر هنا لا يعني رفض كل ما سبق، وإنما امتلاك المسافة التي تسمح للإنسان بأن يسأل: هل هذه أفكاري حقا، أم أنها أفكار ورثتها حتى صرت أظن أنها صوتي؟
الأثر الذي يبقى
في النهاية، يبدو «نقوش أبدية» محاولة للنظر في الإنسان من خلال ما فعلته به الحياة، لا من خلال الصورة التي يتخيلها عن نفسه. فالزمن لا يمضي بنا فقط؛ إنه يعيد تشكيلنا، ويترك في وعينا ما لا تستطيع الذاكرة دائما تسميته.
لهذا لا تكمن قيمة الكتاب في أنه يقدم تفسيرا نهائيا للذات، بل في أنه يفتح فيها شقا للسؤال؛ يجعل القارئ يعيد النظر في ما فقده، وما احتفظ به، وما صار إليه دون أن ينتبه.
ينتهي الكتاب حين تُغلق صفحاته، لكن أثره يبدأ حين يتحول السؤال من النص إلى القارئ.
فالنقوش الأبدية ليست ما كتبناه على الورق، بل ما تتركه الحياة فينا ولا تستطيع الأيام محوه.
