لم ينظر.. ولم يكتفي بالوقوف في مسافة الحياد، منذ سمع تصدعها وقبل أن تعترف بأزمتها، كان من الأوائل وسباقاً في مهاجمة يقينها بالعقل-نيتشه دخل إلى الحداثة مباشرةً.. وإلى المنطقة التي كانت تخفي فيها ثقتها بنفسها
ولحظتها بدأ الشك- حيث كانت قد أقنعت الحداثة الإنسان بأنه أصبح خارج حدود الوصاية وأن العقل يملك القدرة الكافية ليعيد ترتيب العالم وهذا بعد أن تراجعت سلطة المقدس، وبالمقابل نيتشه أبصر في هذا المشهد شيئاً آخر؛ رأى إنساناً غيّر جهة انحنائه، ولكنه لازال متمسكاً بحاجته إلى الانحناء.. وفي عبارته الشهيرة لقد مات الإله- لكن موته لم يترك سماءً صافية، بل ترك فراغًا واسعًا، والفراغ لا يحتمل طويلًا. لذلك بدأ الإنسان الحديث يملؤه بما وجد أمامه؛ بالعقل، بالتاريخ، بالتقدم، بالعلم، بالأخلاق، وبصورة جديدة عن نفسه توهمه بأنه صار مركز العالم. وهنا أنطلق ارتياب نيتشه الحقيقي، كون أنه قد يموت الإله بينما تستمر طريقته في إنتاج الطاعة، وقد تتهاوى العقيدة وتسقط ويبقى الشكل العميق لها حياً في الذهن
كان يخشى اليقين حين يتصلب أكثر من خشية الخطأ، وبالنسبة إليه كل حقيقة لا تسأل عن أصلها كانت تحمل شيئاً من القناع وكل قيمة تدعي البراءة اكثر مما ينبغي تستدعي البحث في تاريخها ومن صنعها! وماذا احتاجت الإنسان؟ ومن أي خوفٍ وُلدت؟ ولهذا كانت نظرته إلى الاخلاق على نها أثر لتاريخ طويل وعريض من القوة و الضعف و الرغبة والانتقام ومحاولة النجاة وليست سماء معلقة فوق البشر
ولهذا لم يكن نيتشه يناقش أفكار الحداثة فقط بهذا المعنى..إذ توجه وشكك في الإنسان الذي أنتجها وفي حاجته الدائمة لصناعة مركزاً جديدا لنفسه كلما انهار مركز قديم، فحين فقَد الإنسان السماء صنع التاريخ ووقت تراجع المُقدس منح العقل قداسة أخرى، وحين تكلم عن الحرية اكتشف نيتشه أن الجماعة تملك القدرة لتسكن الفرد من الداخل ويصير رأيها صوته الخاص.. ومن هذه المساحة ظهر القطيع عنده بوصفه طريقة في الوجود وليس مجموعة من الناس يسيرون خلف قائد، بمعنى أن يفكر الإنسان كما يفكر المحيط وأن يخاف من العزلة أكثر من خوفه الخطأ وأن يختار تماما ما اختاره الأخرون ثم يمنح اختياره اسم الحرية، حيث لم يعد السوط ضرورياً أين يصبح الخوف من الاختلاف كافياً
غالباً لهذا قسى نيتشه على عصره- لأنه لم يمنحه راحة الإعتقاد بأنه تجاوز الماضي، حيث كان يقول واثقاً تماما أن الماضي قد يغير ملابسه فقط، وإن العبودية لا تحتاج دوماً لسيدٍ ظاهر..وإن أخطر الأوهام وأكثرها قوة تلك التي تصل إلى الإنسان بعد أن يقتنع بأنها أفكاره الخاصة
لم تكن لنيتشه نيه او رغبة تدفعه ليعود إلى الوراء ولم يكن يحن إلى زمن الإيمان القديم- حيث أن مشكلته كانت في الحاجة إلى السلطة وليس في شكل السلطة؛ فكان يقصد الإنسان ويريد الوصول إليه بعد أن تسقط عنه المساند- بالضبط إلى تلك اللحظة التي لا يكون فيها قادراً على إخفاء ضعفه داخل حقيقية جاهزة أو أخلاق جاهزة أو جماعة جاهزة
ولهذا نيتشه لم يكتب نهاية الحداثة، ولكنه فتح فيها صدعاً لازال لم يغلق بعد..ومنذ ذلك لم يعد العقل بريئا تماما ولا الحقيقة محايدة ولا الأخلاق خارج التاريخ ولا الإنسان واضحا لنفسه كما كان يتصور
وكانت خطورته ربما هنا بالضبط- لم يقصد الإنسان بالسؤال عما يؤمن به فقط وأي حقيقة يعرف..فقد سأله عن حاجته إلى الإيمان ولماذا يحتاج إلى حقيقة تطمئنه- وبعدها تركه واقفاً شاخصا أمام نفسه من دون يقين يكفي ليختبئ فيه.