ما الذي يحدث لعقل الطالب بعد أربع سنوات أو خمس يقضيها داخل الجامعة؟ السؤال لا يتعلق بعدد المقررات التي درسها، ولا بعدد الامتحانات التي اجتازها، ولا بالدرجة التي حصل عليها في نهاية الطريق. السؤال يتعلق بشيء أعمق: هل خرج من الجامعة وهو اكثر قدرة على التفكير، أم خرج وهو اكثر قدرة على حفظ ما يطلب منه؟.هذه المسألة تصبح اكثر إلحاحا عندما ننظر إلى واقع جامعاتنا. فلدينا طلاب يجتهدون، وأساتذة يبذلون جهدا كبيرا، ومؤسسات تحاول العمل في ظروف ليست سهلة، لكن المشكلة لا يمكن اختزالها في جهود الأفراد. هناك طريقة كاملة في النظر إلى التعليم تحتاج إلى مراجعة.فالجامعة عندنا كثيرا ما تتعامل مع المعرفة باعتبارها مادة ينبغي نقلها من الأستاذ إلى الطالب، ثم قياس قدرة الطالب على استعادتها في الامتحان. وفي هذه الحلقة يصبح الكتاب مقررا، والأستاذ مصدرا، والامتحان حكما، والدرجة نتيجة نهائية.لكن أين يوجد العقل في كل ذلك؟.يمكن لطالب أن يحفظ تعريفا للنظرية، وأسماء أصحابها، ومراحل تطورها، ثم يحصل على درجة مرتفعة، من دون أن يستطيع استخدام تلك النظرية في تحليل مشكلة واحدة من واقعه.نحن لا نعاني دائما من غياب المعرفة، بل نعاني من ضعف تحويل المعرفة إلى تفكير.

في كثير من جامعاتنا، لا يزال التلقين يحتل مساحة واسعة من العملية التعليمية. الطالب الذي يعيد كلام المحاضرة بصورة قريبة من الكتاب قد يجد طريقه إلى الدرجة بسهولة اكبر من الطالب الذي يحاول مناقشة الفكرة أو الاعتراض عليها أو ربطها بواقع مختلف.وهذا يصنع سلوكا تعليميا مفهوما: يتعلم الطالب بسرعة ما الذي يريده الامتحان، ثم يعيد إنتاجه.بمرور الوقت يصبح السؤال بالنسبة إليه ليس: هل هذه الفكرة صحيحة؟ بل: ماذا يريد الأستاذ مني أن أكتب؟ هذا التحول صغير في ظاهره، لكنه خطير في أثره. لأنه ينقل مركز التعليم من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن الإجابة المقبولة.وليس من العدل تحميل الأستاذ وحده مسؤولية ذلك. أحيانا يكون الأستاذ نفسه مقيدا بمقرر ضيق، وعدد كبير من الطلاب، ووقت محدود، ونظام تقييم لا يمنحه مساحة كافية للتجريب. وأحيانا تكون المؤسسة الجامعية نفسها أسيرة لوائح تجعل التعليم أقرب إلى تنفيذ إجراءات منه إلى بناء بيئة فكرية.

لكن النتيجة واحدة: مساحة السؤال تضيق في المقابل، التفكير النقدي يحتاج إلى بيئة مختلفة تماما. يحتاج إلى طالب يستطيع أن يقول “لا أوافق”، وإلى أستاذ يستطيع أن يسمع هذه العبارة دون أن يعتبرها إساءة، وإلى امتحان يكافئ الحجة والتحليل لا مجرد استعادة النص. تخيل طالبا في كلية الاقتصاد يدرس التضخم، لكنه لا يناقش أثر ارتفاع الأسعار على الأسر التي يعيش بينها. أو طالبا في كلية التربية يدرس نظريات التعلم، لكنه لا يحاول فهم أسباب ضعف التحصيل في المدارس المحيطة به. أو طالبا في كلية الإعلام يدرس أخلاقيات الصحافة، لكنه لا يناقش مشكلة الشائعات والمعلومات غير الموثوقة التي تصل إلى المجتمع يوميا.هنا تظهر الفجوة بين الجامعة وواقعها.الجامعة لا ينبغي أن تكون جزيرة منفصلة عن المجتمع.إذا كانت مدننا تعاني من البطالة، وضعف الخدمات، والفقر، والصراعات الاجتماعية، ومشكلات الإدارة، وتحديات الصحة والتعليم، فإن الجامعة مطالبة بأن تجعل هذه القضايا موضوعا للبحث والتحليل، لا أن تبقى المعرفة محصورة في صفحات المقرر.ليس المطلوب أن تتحول الجامعة إلى مؤسسة لحل كل مشكلات المجتمع، فهذا يتجاوز وظيفتها. المطلوب أن تجعل الواقع مادة للسؤال العلمي. لماذا تفشل بعض المشاريع؟ لماذا يتسرب الطلاب من التعليم؟ ما أسباب ضعف بعض الخدمات الصحية؟ كيف تؤثر البطالة في الشباب؟ ما أثر الفقر في التحصيل الدراسي؟ كيف تتشكل النزاعات الاجتماعية؟ كيف يمكن تطوير الإدارة العامة؟ هذه الأسئلة يمكن أن تتحول إلى أبحاث جامعية حقيقية إذا خرج البحث من إطار التكليف الأكاديمي وأصبح محاولة لفهم الواقع. لكن البحث العلمي في جامعاتنا يواجه بدوره مشكلة أخرى: أحيانا يصبح البحث وسيلة للحصول على الدرجة أو الترقية أكثر من كونه وسيلة لإنتاج المعرفة.وهنا ينبغي أن نكون صريحين.البحث الذي ينسخ أفكارا موجودة، أو يجمع معلومات من مصادر متفرقة دون سؤال واضح، ثم يقدم في صورة بحث أكاديمي، لا يحقق الغاية الحقيقية من البحث. وكذلك البحث الذي يختار نتيجته قبل أن يبدأ، ثم يبحث عن المعلومات التي تؤيدها فقط.

الباحث الحقيقي يجب أن يقبل احتمال أن تخالف النتائج ما كان يتوقعه.هذه النقطة بالذات تحتاج إلى ثقافة جامعية مختلفة. لأن البحث العلمي لا يقوم على إثبات أن الباحث كان على حق، بل على اكتشاف ما تقود إليه الأدلة.حتى علاقة الطالب بالأستاذ تحتاج إلى إعادة التفكير.في بعض البيئات الجامعية، توجد مسافة كبيرة بين الطرفين. الأستاذ يمثل السلطة العلمية، والطالب يتلقى. هذه العلاقة قد تكون مفيدة في نقل الخبرة، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول السلطة العلمية إلى سلطة تمنع النقاش. احترام الأستاذ لا يعني الخوف منه. والاختلاف معه لا يعني التقليل من مكانته.الطالب الذي يستطيع مناقشة أستاذه بأدب وحجة يتعلم شيئا لن تمنحه له عشرات المحاضرات: يتعلم أن المعرفة قابلة للنقاش.وهذا هو جوهر التفكير الجامعي.أما الامتحان، فهو قصة أخرى.إذا كان الامتحان يطلب من الطالب تعريف المصطلح، وتعداد النقاط، وذكر خصائص النظرية، فإن النظام التعليمي يرسل إليه رسالة واضحة: الذاكرة هي الطريق الأقصر إلى النجاح.لكن يمكن أن نسأل بطريقة مختلفة ما الافتراض الذي تقوم عليه هذه النظرية؟ ما نقاط قوتها وضعفها؟ هل تصلح لتفسير واقع مجتمعنا؟ ما الدليل الذي يمكن أن يؤيدها أو يعارضها؟ ماذا يحدث لو طبقناها على مشكلة حقيقية؟ هذه الأسئلة لا تلغي المعرفة الأساسية، لكنها تحول المعرفة من مادة محفوظة إلى أداة تفكير.وهنا تصبح المدارس الفلسفية ذات صلة مباشرة بواقع جامعاتنا.نحن بحاجة إلى العقل النقدي، لكننا لا نحتاج إلى تحويل النقد إلى رفض دائم. نحتاج إلى الواقعية دون اختزال الإنسان في الجانب المادي. نحتاج إلى الاهتمام بالفرد وحريته دون تجاهل المجتمع. نحتاج إلى العقل، لكننا نحتاج أيضا إلى التجربة. ونحتاج إلى الأخلاق حتى لا تتحول المعرفة إلى أداة بلا مسؤولية.المشكلة ليست في أن تتبنى جامعاتنا مدرسة فلسفية واحدة.

المشكلة في أن تعمل الجامعة دون وعي فلسفي واضح.عندما نختار مقررا، فإننا نختار نوعا من المعرفة.وعندما نختار طريقة تدريس، فإننا نختار نوعا من العلاقة بين الأستاذ والطالب.وعندما نختار الامتحان، فإننا نحدد نوع العقل الذي نكافئه.وعندما نقرر أن البحث العلمي مجرد متطلب للحصول على الدرجة، فإننا نحدد ضمنيا قيمة المعرفة نفسها.لذلك فإن إصلاح الجامعة لا يبدأ دائما ببناء مبنى جديد أو إضافة مقرر جديد.قد يبدأ من سؤال اكثر بساطة: ماذا نريد من الطالب عندما يتخرج؟إذا كان المطلوب موظفا يستطيع تنفيذ التعليمات فقط، فإن التلقين يكفي إلى حد بعيد.أما إذا كنا نريد طبيبا يستطيع اتخاذ قرار مسؤول، ومعلما يستطيع فهم الطالب، ومهندسا يستطيع التفكير في آثار عمله، وباحثا يستطيع اختبار أفكاره، وصحفيا يستطيع التمييز بين الخبر والدعاية، وخريجا يستطيع التعامل مع مجتمع معقد، فإن الجامعة تحتاج إلى شيء مختلف.

تحتاج إلى عقل نقدي والعقل النقدي لا يعني أن يشك الطالب في كل شيء. يعني أن يعرف لماذا يقبل فكرة، ولماذا يرفض أخرى، وما الأدلة التي يستند إليها، وما حدود معرفته.هذه الثقافة لا يمكن أن تنتجها محاضرة واحدة في التفكير النقدي. إنها تحتاج إلى ممارسة يومية داخل الجامعة في طريقة السؤال في طريقة المناقشة في طريقة كتابة البحث في طريقة تصحيح الامتحان. في علاقة الأستاذ بالطالب وفي استعداد المؤسسة نفسها لمراجعة أخطائها.وهنا أعتقد أن التحدي الأكبر أمام جامعاتنا ليس نقص العقول، بل طريقة استخدام هذه العقول.لدينا طلاب قادرون على التفكير، لكن بعض أنظمة التعليم لا تمنحهم المساحة الكافية. ولدينا أساتذة يمتلكون خبرة ومعرفة، لكن بعض الظروف المؤسسية تجعلهم أسرى للمقرر والزمن والامتحان.ولدينا مشكلات اجتماعية يمكن أن تكون مصدرا هائلا للبحث، لكنها لا تتحول دائما إلى مشاريع علمية جادة.لهذا فإن الجامعة التي نحتاج إليها ليست جامعة ترفع شعار التفكير النقدي على جدرانها، بينما تمنع ممارسته داخل قاعاتها.

نحتاج إلى جامعة يستطيع فيها الطالب أن يناقش دون خوف، ويبحث دون تزييف، ويختلف دون عداء، ويخطئ دون أن يتحول الخطأ إلى وصمة، ويغير رأيه عندما تظهر أمامه حجة أقوى.هذه ليست رفاهية أكاديمية إنها مسألة تتعلق بمستقبل المجتمع نفسه. فالجامعة لا تعيش خارج المجتمع. ما تنتجه من عقول يعود إليها في صورة معلمين وأطباء ومهندسين وإداريين وصحفيين وباحثين وموظفين وقيادات مجتمعية.إذا خرج هؤلاء وهم يرون المعرفة مجموعة من الإجابات الجاهزة، فسوف يعيدون إنتاج الثقافة نفسها في المؤسسات التي يعملون فيها.أما إذا خرجوا وهم يعرفون كيف يسألون، وكيف يبحثون، وكيف يتحققون، وكيف يختلفون، وكيف يتحملون مسؤولية قراراتهم، فإن أثر الجامعة يتجاوز حدود الحرم الجامعي.لهذا لا أرى أزمة التعليم الجامعي في جامعاتنا أزمة مناهج فقط.إنها أزمة تصور عن الإنسان الذي نريد أن نصنعه.هل نريد خريجا يحمل شهادة؟ أم نريد إنسانا يستطيع أن يحمل مسؤولية المعرفة؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين جامعة تؤدي وظيفة إدارية، وجامعة تؤدي وظيفة حضارية.الشهادة تنهي مرحلة الدراسة، لكنها لا تثبت أن التعليم نجح. الذي يثبت نجاح الجامعة هو ما يبقى في عقل الإنسان بعد أن يغادر قاعاتها.