ليس كلُّ كاتبٍ يبدأ من مكتبة؛ فبعضهم يبدأ من جرحٍ طويل، من حياةٍ تكدّست فيها الخسارات حتى صار القلم منفذاً أخيراً للمعنى.. هكذا تبدو تجربة الروائي والقاص عبد الكريم خليل، الذي جاء إلى الكتابة عصامياً محمّلاً بما اختزنته السنوات من محن وتجارب، فحوّل الذاكرة إلى مادة للسؤال، والألم إلى محاولة لفهم الإنسان والعالم. ومن “رسائل السلام” إلى مشاريعه الروائية القادمة- لا يكتب خليل بحثاً عن حكاية فحسب، وإنما كمن يستنطق حياةً كاملة ليرى ما إذا كان الأدب قادراً على أن يصنع من العتمة معنى____حاوره خليفة عبد السلام
• بدأت علاقتك بالكتابة خارج المسار الأكاديمي التقليدي؛ فهل ترى أن الكاتب العصامي يتعلم بطريقة مختلفة، لأنه يبني ثقافته من الحاجة والتجربة أكثر مما يبنيها من المنهج؟
ع ك خ: لنقل إن روافد المعرفة ستظل حاضرة طالما بقي معينها نابضا بالحياة في مخيلة الكاتب، وحريّ بمن عاش دهره فوق جذع شجرة يصارع أمواج البحر الهادرة أن يطلب النجاة، فيصنع مجذافه بنفسه. تلك هي ثقافة العصامي؛ تبنى إثر كل ضربة بمجذاف، فهو الباحث النهم عن الحقيقة، لا تعيقه الوسيلة عن بلوغ المعرفة في المخطوطات وأمهات الكتب.
• حين لا تكون الجامعة هي التي تقود الكاتب إلى الكتاب، يصبح عليه أن يصنع مكتبته وأسئلته بنفسه؛ كيف صنعتَ أنت ثقافتك، وما الكتب أو التجارب الفكرية التي تركت الأثر الأكبر في تكوينك؟
الجواب: كنت قد كتبت قصتي الأولى في الرابعة عشرة من عمري دون أن أدرك أن المؤهل الأكاديمي هو الذي يصنع كاتبا أو عالما، وبعد مرور عام اضطررت إلى ترك مقاعد الدرس والتحقت بسوق العمل، تاركا ورائي مخيلة ظامئة معلقة بكل رواق علمي، ومكتبة عامرة، وحقيبة تلميذ. أذكر أنني أنهيت قراءة الحكايات الشعبية: “الزير سالم” و”عنترة بن شداد العبسي” وأنا في التاسعة، ثم مضيت إلى قراءة كتابيّ “حوار مع صديقي الملحد” و”الشيطان يحكم” للدكتور مصطفى محمود وأنا في العاشرة. ولعل علاقاتي الإنسانية المتعددة -بحكم الجوار والعمل- دون توقف عند معتقد الآخر أو اتجاهه الفكري، قد أسهمت كثيرا في قبول الآخر على قاعدة “الحرية والكرامة والعدل والإحسان”، بوصفه حقا تكفله الشرائع السماوية والقوانين الأرضية.
• في سيرتك يبدو أن الحياة سبقت الأدب، وأن التجربة كانت أكثر حضوراً من التنظير؛ إلى أي حد يمكن للمعاناة أن تصنع كاتباً، ومتى تتحول المعاناة من مجرد سيرة شخصية إلى مادة أدبية؟
ع ك خ : كان وما يزال لسياط الحياة صفيرها العالي، وأثرها البالغ في النفس قبل الجسد؛ إذ تتعدد المهن الشاقة على ذات الجسد المنهك، وتحني الحاجة كاهل الحر، ولا يبقى في المرء من أثرة حياة سوى شمعة مضيئة تنير عتمة الليل إلى صحيفة أو متن كتاب. إن المرء ليصرخ ألما أو يصرخ حبرا، وفي كلتا الحالتين هو معبر عن ذاته بما يليق بملكاته.
• هناك من يربط قيمة الكاتب بالشهادات والمؤسسات الثقافية، في مقابل كتّاب بنوا أنفسهم خارج هذه المسارات؛ هل شعرت يوماً أن صفة «العصامي» كانت عبئاً عليك، أم أنها منحتك حرية أكبر في تشكيل صوتك؟
ع ك خ : العبء تمثل في الافتقار إلى التحصيل الأكاديمي باعتباره بطاقة العبور الأولى إلى بر الأمان؛ أما العصامية فلا تؤدي معناها الأسمى إلى بعد بلوغ غرضها والغاية. وبين قسوة العبء والعصامية غير المكتملة، كان السعي حثيثا لإبراز هويتي الخاصة، بعيدا عن نماذج الكتاب وأنماطهم الأكاديمية.
• هل تعتبر الكتابة عندك امتداداً لتجربتك في الحياة، أم أنها محاولة للابتعاد عنها وإعادة بناء العالم كما كنت تتمنى أن يكون؟
ع ك خ : المرء وليد التجربة؛ فلا فصل بين المرء ونتاجه المعرفي والإنساني. إنها رؤية المبدع وبصمته الخالدة في مواجهة الواقع، وإعادة بنائه وتأويله، وإلا عد الكاتب مرجفا واهما.
• تجمع كتاباتك بين الأدب والفلسفة والسياسة؛ كيف تحافظ على أدبية النص حين تقترب من الأفكار السياسية والأسئلة الفكرية حتى لا يتحول العمل الأدبي إلى خطاب مباشر؟
الجواب: لكل فكرة حظها في الوجود، فإذا امتزج الجميل بالجميل بان للحسن بريقه الأخاذ. أما ابتعادي عن التقريرية والخطابية، فكان من خلال زج العناوين الفكرية والسياسية في أتون الحوارات اليومية للأفراد، وبهذا جسّرت المسافة بين الفكر والأدب. أن يصبح الجميع فلاسفة في رواياتي لم يكن بالأمر العسير بالنسبة لي.
• يحمل عنوان “رسائل السلام” مفارقة واضحة إذا وضعناه أمام عالم تحكمه الحروب والانقسامات؛ عن أي سلام تتحدث في الكتاب: سلام الإنسان مع نفسه، أم سلام المجتمعات، أم موقف فكري من الصراع؟
ع ك خ : إن من شأن أزيز الطائرات الحربية فوق الرؤوس أن يبعث في النفس العبوس، وإن منشأ الحياة لا يستقيم إلا بإرادة حرة؛ إذ لا يخشى الحرية سوى العبيد. كان الصراع رفيقي مذ قصفتنا الطائرات الحربية بوابل من رصاصها في أول أيام عيد الفطر، أطفالا نلعب الكرة في حديقة المدرسة؛ وتكرر القصف في كل حين وآن، وكانت قوافل الجثامين تشيع أمامي خارجة في طابور طويل من المركز الصحي إلى مثواها الأخير، ليصرخ السلام -في كتابي- باحثا عن ذاته الحرة في كل نفس وفي كل مجتمع، بوصفه استحقاقا فكريا ووجوديا، لا مجرد دقيقة صمت على أرواح الضحايا.
• لماذا اخترت صيغة “الرسائل” تحديداً في “رسائل السلام”؟ وهل كان في ذهنك متلقٍ محدد تخاطبه، أم أن الرسائل مفتوحة لكل قارئ يحمل السؤال نفسه؟
ع ك خ : اخترت صيغة “الرسائل الوجدانية” لأنها الأقدر على كسر الحواجز الفكرية الفارقة بين الأفراد والمجتمعات؛ واخترت صيغة “الرسائل الوجودية” لأنها تحمل بلسما فكريا لكل فيلسوف وحكيم قادر على المساعدة في جسر الهوة العميقة بين الأفراد والمجتمعات.
• صدرت “رسائل السلام” في جزئها الأول، وتعمل على الجزء الثاني؛ ما الذي ظل ناقصاً أو مفتوحاً في الجزء الأول حتى شعرت أن المشروع يحتاج إلى امتداد جديد؟
الجواب: أتممت الجزء الثاني وأسميته “أسفار السلام”، ويغلب عليه الطابع الوجداني والعرفاني، أكثر من سابقة الفلسفي والبرهاني؛ ليتمكن طائر السلام من التحليق بجناحيه بعيدا، يجتاز المفاوز ويجوب الآفاق. وهو الآن يهجع فوق رف بارد معتم، بانتظار شروق شمس يوم جديد يمنحه فرصة الحياة بين أيادي القراء.
• إلى أي مدى تختلف “رسائل السلام 2” عن الجزء الأول من حيث النضج الفكري واللغة والأسئلة التي تطرحها؟ وهل تغيّر الكاتب نفسه بين الكتابين؟
ع ك خ : هو “أسفار السلام”؛ يحمل ذات الرسالة السامية، ويشير إلى الجاني الأكبر مباشرة، ويستعرض أعماله الشنيعة في الحياة الدنيا، ومآله في الآخرة. ومن ثم، فلا خلاص للبشرية إلا بقيام مملكة السلام العالمي.
• حين تكتب في الأدب السياسي والفلسفي، هل تنطلق أولاً من موقف تريد الدفاع عنه، أم من سؤال لا تعرف إجابته وتترك الكتابة تقودك إليه؟
ع ك خ : بل انطلق من رؤية واضحة وخطة مرسومة بدقة متناهية؛ لأجلو الإبهام عمّا التبس على العامة والخاصة، ولأزهو بسمو الكائن الإنساني ما التزم سبيل الحق والعدل، وأجرد ذاك السمو عمّن أصابه الغرور والتبجح.
• مشروعك الروائي “عشتار وإستير” استغرق سنوات طويلة من الكتابة؛ ماذا يفعل الزمن بالنص حين يعيش الكاتب معه كل هذه المدة؟ وهل يصبح العمل في النهاية سيرةً موازية لتحولات صاحبه؟
ع ك خ : ثمانية عشر عاما من العمل الدؤوب دون ملل أو كلل؛ عشت مع رواية “عشتار وإستير” الإحباط والفقر والضعف وشماتة القريب مرات ومرات. وفي لحظات ضعفي ربما ارتبت في وجودي أمام هذا العمل الروائي الضخم في الأدب السياسي والفلسفي، لكنها إرادة الله وأمره الغالب أن تشرق الشمس ويخرج النص إلى النور.
• بين القصة والرواية والكتابة الفكرية، أين تجد صوت عبد الكريم خليل أكثر صفاءً؟ وأي جنس أدبي يمنحك المساحة الأوسع للتعبير عن رؤيتك للإنسان والعالم؟
ع ك خ : لا فرق لدي بين الأدب والفلسفة طالما كانتا تذهبان في الاتجاه ذاته نحو الحقيقة المجردة؛ فجميع فصول السنة تحمل آمالا عريضة للفلاحين.
• هل تعتقد أن الكاتب الذي تكوّن عصامياً يظل طوال حياته في حالة تعلّم، وربما أكثر قلقاً من الكاتب الذي منحه المسار الأكاديمي شعوراً مبكراً بالاعتراف؟
ع ك خ : القلق؛ ثم القلق من عدم الإنصاف المعرفي، وهو ما يجعل الكاتب العصامي في مكابدة مستمرة تدفعه للتعلم برغم الألم وضيق الوقت وربما الفاقة.
• بعد “رسائل السلام” و”عشتار وإستير” والمخطوطات التي تنتظر النشر، ما المشروع الذي تريد أن يُقرأ بوصفه الخلاصة الحقيقية لتجربتك، وما السؤال الذي ما زلت تشعر أنك لم تكتبه بعد؟
ع ك خ : لدي من المخطوطات الفلسفية الكونية ما أنا بأمس الحاجة إلى مراجعته وتدقيقه، فهو جناحي الآخر الموازي لجناحي الفلسفي الأدبي. أما السؤال الذي أؤمن بعدالته فهو: هل تسعفني عدة حيوات على إفراغ جعبتي الفلسفية في رؤياي للكون؟







