من أين يأتي الإبداع؟ وكيف يتجسد؟ ربما يبدأ الجواب من ضرورة إنقاذ هذه الكلمة من الاستهلاك الذي أصابها..وهذا بعدما صار كل اختلاف يوصف بالإبداع وكل غرابة تعد ابتكاراً، حتى كاد المفهوم يفقد دقته ومعناه- فالإبداع لا يبدأ من الرغبة في أن نبدو مختلفين..ولكنه ينطلق في واقعه من قدرة الوعي على أن يرى ما اعتاد الاخرون المرور عليه من دون سؤال، ومن ثم يعيد تشكيله في صورة تحمل رؤية جديدة
وهذا الأخير لا يأتي من الفراغ ولا يسقط فجأة على الإنسان بوصفه لحظة غامضة منفصلة عن المعرفة ومستقلة عن التجربة.. فهو ينشأ في المساحة التي يلتقي فيها الحس بالوعي و الخيال بالمعرفة و القلق بالسؤال ..لذلك قد يرى الناس نفس الشيء، وتكون للمبدع نظرةٌ أخرى تختلف فيلتقط فيه ما غاب عنهم- لأنه لا يتعامل مع الواقع باعتباره صيغة مكتملة، وإنما بوصفه مادة قابلة لإعادة القراءة والتفكيك وإنتاج معنى آخر منها
من زاويةٍ أخرى، الرؤية وحدها لا تكفي، لأن الإبداع لا يكتمل إلا حين يجد شكلاً يليق به.. فقد يمتلك الإنسان أفكاراً عميقة أو وجعاً حقيقياً لكن ذلك لا يصنع فناً في حد ذاته، لأن الفرق بين الانفعال والإبداع يكمن في القدرة على تحويل التجربة إلى لغة أو صورة أو بنية تمنحها معنى يتجاوز صاحبها..ومن هذه المنطقة تصبح مقاومة تمييع المفهوم ضرورية، لأن الغموض ليس دائماً عمقاً، وكسر القواعد ليس دائماً تجديداً، والصدمة ليست دليلاً كافياً على الابتكار- الإبداع الحقيقي يظهر عندما يفتح العمل زاوية لم تكن موجودة من قبل، ويجعلنا نعيد النظر في شيء ظنناه مستقراً في وعينا
لهذا يمكن القول إن الإبداع ليس مجرد إنتاج شيء جديد، وإنما إنتاج طريقة جديدة للرؤية؛ فعندما لا يضيف العمل سؤالاً، ولا يكشف معنى، ولا يغير علاقتنا بما نراه أو نفكر فيه، يصبح وصفه بالإبداع مجرد مجاملة ثقافية لا أكثر.