ومضات أمل الثقافية –
•إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يمضي في اكتشاف ما يجهل دونما أن يتحول فضوله إلى مأزق وجودي يضعه بوجه حقيقة عجزه عن فهم العالم والسيطرة عليه؟ من هذا السؤال الذي يتعدى حدود الخوف التقليدي، تنفتح رواية “المحظور” للكاتب حكيم لحمل.. الصادرة 2026 عن دار كتاب للنشر والتوزيع بالقاهرة/مصر؛ على تجربة حكائية تستثمر الفانتازيا والغموض والرعب في مقاربة العلاقة الشائكة بين الإنسان والمعرفة- حيث تصبح الرغبة في اكتشاف ما تخفيه الأشياء قوة تدفع الوجود الإنساني نحو مساحات يختلط فيها الممكن باللاممكن.. وتفقد الحقيقة صورتها المألوفة أمام اتساع المجهول
تنهض الفكرة الروائية على ذلك التوتر العتيق بين فضول الإنسان وحدود إدراكه.. وهو توتر يمنح الحكاية بعداً فلسفياً يتجاوز طبيعة الأحداث الخارقة التي تشيد عالمها- فالمحظور هنا يمكن قراءته بكونه مفهوماً يتصل بما تخشاه الذات من المعرفة بقدر ما يتصل بما ترغب في امتلاكه.. وكأن الإنسان كلما حاول الانتصار على جهله اتضح له أن المعرفة نفسها قد تضعه بوجه أشكالٍ جديدة من العجز، لتتحول المغامرة الخارجية تدريجياً إلى مواجهة داخلية مع أسئلة الهوية والغياب والرغبة في تجاوز المصير
وتتجلى واحدة من جماليات النص في محاولته إقامة عالم سردي تتداخل فيه الأحلام مع الواقع.. مستعيناً بالمشاهد القاتمة والأمكنة الغامضة والإيحاءات البصرية التي تجعل الظلام عنصراً مؤثراً في تشكيل المناخ النفسي للحكاية- حيث يتقدم السرد عبر صناعة الترقب وتأجيل تجلي الأسرار، بما يمنح القارئ شعوراً مستمراً بأن العالم الظاهر لا يمثل سوى طبقة أولى من واقع أكثر تعقيداً.. كما تحضر الموسيقى بوصفها عنصراً جمالياً ودلالياً يتصل بعلاقة الإنسان بذاته وبما يعجز عن التعبير عنه، فتفتح داخل البناء الفانتازي مساحة إنسانية تتقاطع فيها هشاشة الشخصية مع تطلعها إلى التحرر من حدودها
وتستمد الرواية جانباً من خصوصيتها من هذا المزج بين التشويق ذي الطبيعة الغرائبية والأسئلة الإنسانية المتعلقة بالفقد والانتماء والبحث عن المعنى- وإن كان طابعها الحكائي يميل أساساً إلى المغامرة وتوليد المفاجأة.. فإن مادتها السردية تتيح قراءة تتعدى ظاهر الحكاية نحو التأمل في سلطة المعرفة وما يمكن أن تفعله الرغبة الجامحة في امتلاكها بالإنسان
في “المحظور” يضع حكيم لحمل قارئه أمام عالم تتحرك فيه الحقيقة على تخوم الخوف والرغبة وتغدو فيه رحلة الاكتشاف مناسبة لمساءلة ذلك الكائن الذي لا يتوقف عن اقتحام المجهول رغم إدراكه أن بعض الأبواب حين تُفتح.. قد تغير إلى الأبد صورة العالم الذي كان يظن أنه يعرفه.