في عيدها ” اليوم العالمي للرواية العربية- 12 أكتوبر” الذي أقره وأقره وزراء الثقافة العرب في 2016..
هل توجد رواية عربية فعلاً- أم أننا أمام طرح روائي تم كتابه باللغة العربية ويأخذ شرعيته الأجناسية من تاريخ أدبي تشكل خارج حدود بيئته الثقافية؟ للوهلة الأولى يبدو السؤال مستفزاً.. خاصة في مشهد ثقافي اعتاد الاحتفاء بالرواية العربية بكونها هوية إبداعية مكتملة الملامح- غير أن استدعاء التاريخ الجمالي لهذا الجنس يضعنا أمام إشكالية أعمق من مجرد التسمية، يرتبط مباشرةً بمدى قدرتنا على التمييز بين امتلاك الشكل الأدبي وانتاح وفتل فلسفته.. وبين ممارسة الكتابة داخل جنس قائم والمساهمة في إعادة تشكيل حدوده ومفاهيمه
لقد تبلورت الرواية الحديثة في فضاءٍ أوروبي عبر تحولات اجتماعية وفلسفية وفنية ارتبطت بصعود الفرد وتحول بنية المجتمع وتغير علاقة الإنسان بالعالم.. ثم قفزت إلى حضن الثقافة العربية ضمن سياقات النهضة والترجمة والاحتكاك بالحداثة الغربية- ومع أن التراث العربي عرف انماطاً سردية ثرية من المقامات إلى السير والحكايات- فإن وجود هذا الموروث لا يمنحنا مبرراً علمياً لإلغاء الفوارق التاريخية والجمالية بينه وبين الرواية الحديثة.. مثلما تماماً أن نشأة الرواية خارج البيئة العربية لا تسلب الأعمال المكتوبة بالعربية حقها في الانتساب لهذا الجنس الأدبي.. فالأجناس لا تحمل جنسية أبدية، وإنما تكتسب تحولاتها من واقع التجارب الإنسانية التي تتعامل معها وتعبرها
لكن الاعتراف بوجود رواية عربية من حيث اللغة والانتماء الثقافي لا ينبغي أن يصير حصانة تمنع مساءلة منجزها الجمالي- إذ إن السؤال الحقيقي يتعدى كمية الروايات المنشورة والجوائز الممنوحة والأسماء التي تتصدر المشهد.. ليصل إلى طبيعة الإضافة والقيمة الحقيقية التي قدمتها هذه التجربة لمفهوم الرواية نفسه، ومدى قدرتنا الفعلية في تحويل الشكل المستعار تاريخياً إلى بيئة خصبة لإنتاج وعي جمالي مستقل- لأن الكتابة عن المجتمع العربي لا تكفي وحدها لتأسيس خصوصية روائية إذا وقعت طرائق تمثيله أسيرة بناء سردي يعيد إنتاج نماذجه السالفة دون مساءلة
تزداد المفارقة قسوةً ونحن نتأمل جانباً من الممارسات النقدية العربية التي ما زالت تحاكم التجارب الروائية الجديدة بمعايير وبمقاييس مستمدة ومتسوحاة من تصورات تقليدية عن الحبكة والشخصية والحدث ووحدة البناء.. وتاريخ الرواية الأوروبية نفسها يكشف عن حلقات طويلة وعريضة من الانقلابات التي طالت هذه العناصر وأعادت النظر في ضرورتها ووظائفها، حتى اكتسب الوعي والزمن واللغة والتشظي والتجريد فضاءات الشرعية للتجريب السردي- ومن هذه المساحة يتجلى التناقض المعرفي الواضح حين يستعير الناقد جنساً أدبياً من ثقافة أخرى.. ثم يتعامل مع واحدة من مراحله التاريخية بكونها قانوناً نهائيا.. فيمنح نفسه سلطة تحديد ما يجوز للرواية أن تكونه وما ينبغي إقصاؤه من حدودها
ربما أقسى ما أصاب الوعي الروائي العربي في بعض تجلياته هو الخلط بين الوفاء للجنس الأدبي والخضوع التام لصورته الموروثة.. حتى تحولت الرواية لدى الممارسين إلى قالب يتم حشوه بالأحداث والشخصيات وتحول بدوره النقد إلى جهاز لتفتيش النصوص عن مدى امتثالها لمعايير جاهزة وقوالب ثابتة- وهذا في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون الإبداع ممارسة معرفية وجمالية تتجاوز ما استقر عليه الذوق.. وأن تكون وظيفة النقد اكتشاف المنطق الداخلي للتجربة ومساءلة ضرورتها الفنية قبل إخضاعها لتصور سابق عن شكل الرواية
إن الحديث عن رواية عربية في الواقع لا يقتضي البحث عن الأصل القومي ييمنحها شرعيتها- فالفنون الكبرى تتعدى بجرأة تفاصيلها الجغرافيا التي شهدت ولادتها.. وإنما يقتضي البحث عن مقدار ما أنتجته التجربة العربية من تحولات داخل هذا الجنس وكذلك عن قدرتها على ابتكار أشكال جديدة للتعبير عن الإنسان والوجود والذاكرة والزمن.. وهذا بعيداً عن وهم الأصالة الذي يكتفي باللغة.. ووهم الحداثة الذي يكتفي بتقليد التجارب الغربية حتى بعد أن تكون هذه الأخيرة قد تجاوزت نفسها
وربما تقيم المأساة الثقافية في كوننا انشغلنا مطولاً في محاولات إيجاد أدلة وحجج تبرهن وتثبت وجود الرواية العربية.. أكثر من انشغالنا بتأسيس الأسئلة التي تجعل من وجودها إضافة إلى تاريخ الفن الروائي- لأن القيمة الحضارية الحقيقية لأي تجربة إبداعية تقاس بقدرتها فيما تحدثه من خلخلة في المفاهيم الجمالية التي ورثتها وليس بقدرتها على استهلاك الأشكال التي أنتجها الاخرون- ومن هنا يصبح السؤال الأكثر إحراجاً- هل أنتجنا وعياً روائياً قادراً على تجديد الجنس الذي استقبلناه، أم نحن اكتفينا فقط بتعريبه ثم نصبنا حول قوالبه حراساً يردعون الإبداع من تجاوزها؟!
إن الرواية العربية موجودة بكونها حقيقة أدبية وتاريخية.. إلا أن وجودها لا يعفينا من مساءلة استقلالها الجمالي وقدرتها على المساهمة في تطوير الفن الروائي العالمي- فاالاشكالية ليست في أن الرواية الحديثة تشكلت خارج ثقافتنا، ولكنها تكمن في احتمالية مواصلة استقبالها بوصفها شكلاً مكتملاً.. بينما قامت فلسفتها الحديثة أصلاً على رفض الاكتمال ومقاومة الحدود، وعندئذ تصبح المفارقة موجعة “نحتفي بانتمائنا إلى جنس أدبي صنع مجده بالتمرد.. ثم نحاصر كل محاولة للتمرد عليه باسم الدفاع عن هويته”.