ما من أحد يميل إلى الزهد في بقعة الضوء التي تكشف حياته، وتنقله من ظلمة التجاهل وهامش اللامبالاة إلى نور المعرفة ومركز الاهتمام؛ فحبّ الظهور، وذيوع الصيت، وانتشار الاسم، وتردّد الصدى، نزعات بشرية أصيلة، يريد الكائن من ورائها حظوةً واعتراف الآخرين بقيمته. وهي رغبات تناولتها العلوم النفسية بالبحث والدراسة؛ إنها فطرة التكوين التي لا يكاد يخلو منها البشر، وإن تفاوتوا في حضورها وطرائق التعبير عنها.
وحبّ الظهور والرغبة في كسب اهتمام الناس فكرتان قديمتان قِدَم الإنسانية ذاتها؛ فهما من حاجاتها ورغباتها التي وُلدت معها وعاشت فيها. لكننا، في قراءتنا هذه، لسنا بصدد تشريح الظاهرة النفسية الاجتماعية، وردّها إلى تاريخ أحداثها، وتقديمها بالشواهد؛ فذلك ليس معرض حديثنا ولا مرمى اهتمامنا في هذه السياحة القرائية. إنما يعنينا قياس هذه الحالة إلى عصرنا، ثم نذهب في التخصيص، للوقوف على علاقة الفكرة بالكاتب، ونرى من ثمّ رأينا.
وفي عصرنا الحاضر، غلبت تسمية «النجومية» على غيرها من الاصطلاحات، لاعتبارات ثقافية وفنيّة، فسوّغت، بالتالي، لكل من حمل تلك الصفة عذر حملها، دون أدنى اتهام أو تقوّل أو ادّعاء بالنقص. وبدت صورة «حبّ الظهور»، التي لا تزال مدرسة علم النفس تحتفظ بها بوصفها مصطلحا علميّا يشير إلى الرغبة في لفت الانتباه، وقد يتجاوز، لدى بعض الأفراد، حدود الاعتدال ليغدو هوسًا يتخطى مقتضيات القيم والوعي، وربما يتحول إلى حالة مرضية.
ومن هذا التحول في فهم الظاهرة جاءت تسمية «النجم»، لا بوصفها مرادفًا لحب الظهور، بل بوصفها صورة اجتماعية وثقافية تنتظم فيها تلك الرغبة وتتحول إلى حضور عام. فالفرد هو من يقدح شرارة ذيوع اسمه وشيوع صيته، لكنه لا يتولى بالضرورة صناعة شهرته؛ إذ يسلّم أمرها إلى قنوات ووسائط ومؤسسات اجتماعية تضطلع بهذا النشاط، فتوفّر له وسائلها الخاصة، وجهودها الكبيرة، ومناهجها المبتكرة، وعملها الدؤوب، وأموالها الضخمة، ليحصل في نهاية المطاف على لقب «النجم».
والنجومية تُصنع أكثر ما تُصنع في المجالات التي يقبل عليها عوام الناس، لتوافقها مع شعورهم، ونزولها إلى أدنى حاجاتهم، واقترابها من أذواقهم، وتلبيتها لرغباتهم، ووقوعها على قدر أفكارهم؛ فكُرة القدم، وسباق السيّارات، وفنون التمثيل والغناء والرقص، وغيرها من الأنشطة البشرية يسيرة التقديم، بسيطة الرسالة، المفتوحة على الفرجة، المكلّلة بالمتعة، العامرة بالاستجمام، هي في الأصل ما تتهافت عليه طبقة العوام. وحتى إن اختلفت أذواقها وتباينت أفكارها، فإنها تظلّ وفيّة لهذا النوع من الأنشطة، لقربه منها وانسجامه مع مستوى وعيها، وتعبيره عن حقيقتها الشعورية المشتركة وحاجاتها البسيطة الشائعة، فيجعل منها الطبقة العريضة الواسعة التي تزيد من قوة النجم وحضوره واستمراره، وتأكيد اسمه وترسيخ صورته.
ونجم في لساننا العربي هو ما طلع ولاح وظهر وبدا؛ فهو هنا الدلالة على ظهور الشيء وتميّزه وتفرّده عن سواه. غير أننا نعود إلى صميم قولنا ومرمى سهمنا ومبلغ هدفنا في هذه الكتابة التي نفتح من خلالها نافذة فهم لعلاقة الكاتب بفكرة النجومية، التي قرّبنا النظر إليها فيمن ينتجون أنشطة الطبقة العامة البسيطة المتعلّقة بالفرجة أساسًا. فندرك ذلك البعد الشاهق بين نجومية الكاتب وغيره ممن يشاركونه إنتاج ألوان أنشطة الحياة المختلفة. ومنه نخلص إلى حقيقة مفادها أنّ نجومية الكاتب غير نجومية لاعب كرة القدم، والمغنّي، وممثل السينما، وغيرهم ممن ينتجون للعوامّ على اتساع طبقتهم.
فالكاتب يُنتج ما يُقرأ، والقراءة، في صورتها التي تعنينا هنا، فعلٌ يتجاوز التلقي المباشر إلى إنتاج المعرفة ومساءلتها، وما يصاحب ذلك من جمال يتكوّن تحت حاجة السؤال، وعين الحيرة، ولمحة الدهشة، وقلق البحث، وحالة التأمل، وروح التأويل. وهذه الآليات تحدّد طبيعة العلاقة بين النص وقارئه، وتستدعي استعدادًا ذهنيًا يختلف باختلاف الكتابة وطبيعتها. ومن ثمّ، تتباين دائرة التلقي سعةً وضيقًا تبعًا لما تتطلبه الكتابة من معرفة وأدوات للقراءة، وما تفتحه من إمكانات للفهم والتأويل.
فالقراء الذين تستدعيهم الكتابة ليسوا بالضرورة عامة الناس، بل هم جزء من الكل، تتفاوت دوائرهم تبعًا لاختلاف استعداداتهم وشروط تلقيهم. وفي هذا المستوى، كلما ضاقت دائرة التلقي القادرة على مجاراة تعقيد الكتابة، تعسّرت المشاركة في إنتاج معناها؛ ومن هنا يتشكّل معنى الاصطفاء، ليس بوصفه امتيازًا للقلة على حساب الكثرة، بل باعتباره استجابة لما تقتضيه الكتابة من معرفة وتأمل وتأويل. ففي كل تناقص تصاعد نحو القيمة، وليست العملية منوطة بحساب قلة تمنح العمل قيمته أمام كثرة تحرمه تلك القيمة، ولكن الفكرة هنا، أن الكتابة بطبيعتها تستدعي مشاركة ذهنية وجمالية أعمق لا يُقاس أثرها بكثرة المقبلين عليها، وإنما بما تفتحه من إمكانات للفهم وإعادة النظر. وهنا تتحدد خصوصية الكتابة: فهي لا تقدم معنى جاهزًا للاستهلاك فحسب، بل تُشرك الكاتب وقارئه في جدل إضافة المعنى.
ومن ثم، فإن ما يطلبه الكاتب من نجومية المغني ولاعب كرة القدم هو في الأساس، نجومية خاطئة. ونحن، في المقابل، نؤمن بحق الناس، أو مجموعة منهم، في حب قلم معين والإعجاب به؛ لكن هذا الحب ينبغي ألا يحيد بالكاتب عن سمت الهدوء والوعي، فيحوّله إلى مجرد «مهرّج» يلهث بين جموع القراء الذين يحرصون على التقاط صور تذكارية معه أكثر من حرصهم على قراءة حرفه وتأمل فكره.
إنّ تصوّر معاملة الكاتب كنجم في السينما والغناء وكرة القدم وسباق السيّارات هو تصوّر يحمل الجهل الصرف بطبيعة وظيفته، وسرّ قلمه، ومعنى وجوده، وأثر تميّزه. وهو، بالتالي، أكبر من نمطية هذه الصورة المشاع التي تخصّ أولئك الذين ينتجون البسيط في مقابل إنتاجه المعقّد، والسهل في مقابل المركّب، واليسير في مقابل المرهق، والمهدّئ في مقابل المحفّز. هذه الاختلافات هي ما يقف بكل نجم على رابية تخصّه. وويلٌ لكاتب يسقط في حمأة جهله، فيشتري القشور باللباب، ويتنازل عن قيمة الفكرة لصالح الشكل والفرجة.
إنّ الكتابة الحقيقية لا تطلب أكثر من فعل ترتيب المعرفة، وبناء الوعي، والإسهام في التغيير نحو الأفضل. فتتجاوز غرض الإمتاع إلى أفق الحقّ، وتسمو عن اللهو إلى مقام الجدّ، وتطرح الإهمال لمصلحة الالتزام. وهي صفات، كما ترى، لا تحقّق ما يصبو إليه جمهور يبحث عن المتعة العابرة وحدها، ولا تُعنى بما يقع في نفوسهم، ولا بما يحرّك مشاعرهم؛ ففي الحقّ قيمةٌ تستقطب القلّة، وفي الجدّ حاجةٌ تخصّ الفئة، وفي الالتزام خلّة تعني الجماعة.
على هذا، تؤدي الكتابة وظيفتها العقلية، ويكون التفاعل معها جدلًا يبني المعنى. والمهمّ هو الكتابة: الفكرة، والمعنى، والهدف، والقيمة؛ بصرف النظر عمّن يُنتجها. ولعلّ هذا هو وجه الفرق بين هذا النشاط الإنساني المعقّد والمركّب من جهة، وبين بعض الأنشطة الإنسانية الأخرى من جهة ثانية؛ إذ ينصبّ الاهتمام في الكتابة على الأثر، بينما يتجاوزه في أنشطة أخرى إلى منتج الأثر.
وهكذا تتشكّل صورة النجومية خارج الفعل الذي منحها مبرّر وجودها؛ فما يهمّ هنا هو «النجم» في ذاته، الذي يتحوّل من منتج لأثر فنّي أو رياضي أو فرجوي إلى منتج لسلوك حياتي.
إنّ أغلب ما يُسوَّق لاحقًا إلى جمهور العامة هو حياة النجوم، وكواليس أفعالهم، وخفايا سلوكهم، وتفاصيل ما يمارسونه من عيش؛ فيغدو اللباس، والطعام، وتسريحة الشعر، والزواج والطلاق، وقصص الحبّ، والسفر والإقامة، وكل ألوان حياتهم، هي المنتج الذي يفتّش عنه الجمهور. وهذه، كما ترى، آثار حياة لا تقدّم ولا تؤخّر، ممّا لا يليق بالكاتب بوصفه واحدًا ممن ينتجون أثرًا عميقًا في سلّم النشاطات الإنسانية.
بهذا نتلمّس ضآلة الفئة التي تتفاعل مع أثر الكتابة داخل المساحة الواسعة للقراءة. وهي فئة تنشد الحقّ والجدّ والالتزام. تكوّنت ذائقتها عبر خبرة القراءة، وسعة الاطّلاع، والنضج المتراكم. وهذه الفئة لا تصنع للكاتب نجوميّته من خلال التهافت عليه، بل تحوّل أفكاره إلى منارات هدي ومشاعل كشف. إنّها تتعامل مع آثاره كما يتعامل النحل مع الرحيق.
أمّا الذين أخرجوا الكتابة من دائرة هذه الفئة إلى ما دونها من طبقات القراءة، على اتساع تلك الطبقات وتراتبها، ثم أضافوا إلى ذلك عرض حياتهم للفرجة، وكشفوا حلّهم وارتحالهم، وتسابقوا إلى استوديوهات التلفزيون وميكروفونات الإذاعة، وجعلوا من الأدب والكتابة ما يعادل حضور وجوههم، لا ما تحمله كتبهم من أفكار؛ فهؤلاء هم من طلبوا نجومية الكاتب، وحرصوا على محاولة تقديمه بذلك الوجه السقيم، وتقزيمه على تلك الهيئة القميئة التي حملت الكاتب من قيمة الموقف، كفاعل ومؤثّر وملهم ومستشرف، إلى مجرد مهرّج بهلوان؛ ومن رجل يصنع السلطة ويوجّهها إلى تابع تستخدمه السلطة وتوجّهه وفق إرادتها.
وحين تصبح النجومية مصلحة قائمة بذاتها، يتجاوز خطرها حدود الاستعراض الشخصي؛ إذ يغدو الحفاظ على الحضور والمكانة شرطًا قد يوجّه موقف الكاتب ويحدّد علاقته بالمؤسسات التي تمنحه ذلك الحضور.
هذه هي النجومية التي تسمح بها السلطات السياسية، بل تثمّنها؛ لأنها تخدم مصالحها، وتطيل عمرها، وتقدّم مسوّغات وجودها وهيمنتها. والسلطات السياسية القمعية، خصوصًا، لا تتوانى عن تقديم نخبها وكتّابها بوصفهم نجوم الصفّ الأول، معتمدة عليهم، موكلة إليهم تقديم صورة عن حياة ثقافية مهادنة، فيها الرضا والطاعة والالتزام بخطّ متّفق عليه. والكاتب النجم داخل هذه الأنظمة يقبض ثمن أداء دوره بطيب خاطر، متنازلًا عن الوظيفة الحقيقية للثقافة، متمسّكًا بالبريق الجماهيري اللافت الذي يحوّل الكاتب المفكّر، صاحب القضية والمشروع، إلى مجرد مهرّج على مسرح الصناعة السياسية.