اتفقنا على الفراق، لأسباب تتعلّق بتُهمة الخيانة. رأيتُ من الحِكمة أن تزدان علاقتُنا بالودّ، حتى ونحن على أُهبةِ الطلاق. وعلى قدر محاولتي إنقاذ ما يمكن إنقاذه من زواجٍ راح يتهاوى كبيتٍ رملي، فقد كانت فريدة غير آبهةٍ بمآلات ما سوف يكون من الغد.
كانت غيرتُها قاتلة، وزاد نار تلك الفتنة اعتدادُها بنسبها وحسبها. احتدم النقاش، وزاد العناد، وارتفعت الأصوات، ولم أجد حجّةً إلا استظهرتها، ولا اطمأنّ قلبي إلى قولٍ يُطيّب خاطرَها إلا قلتُه. في خلال كلّ ذلك، لم أجنِ منها غير جملةٍ واحدة:
– تجيب يدك خضرة من الجنّة، ما نولّيش ليك.
لا أمل يُرجى من امرأةٍ تحكمها الغيرة، وتُسندها الانفعالات. وقلتُ لنفسي: إنّ مفاوضةَ جيشٍ على باب مدينةٍ محاصَرة، أيسرُ وأهون عندي من مناقشةِ امرأةٍ تتّهمك بخيانتها. ورغم يأسي، وضيقِ الحال، وانقطاعِ الرجاء، فقد ذكرتُ من فريدةَ ما لذّني، وطيّب خاطري، وعاش بي زمنًا في فلتاتٍ سِحرية دلّتني على ارتواء قلبي، وحاجاتِ جسدي الفائرة.
وجدتُني أنحدر في طريق بيتها، ناقلًا خطواتي بحذرِ لصٍّ يتحيّن فُرصته، مقاومًا أمواجَ تردّدي، موطّنًا نفسي على صبرٍ سرعان ما تحوّل إلى لهفةٍ غامرة، مضَت بي إلى بابٍ فُتحت شراعته عن وجهٍ مكتملٍ كالبدر، شقيِّ الملامح، يفيضُ بشرًا وطهارةً وقوة:
– أخيرًا جئتَ؟
– ألا أمل في صُلحٍ نعود به خيرًا مما كنّا؟
تنحّت عن الباب، تاركةً لي فرصة تأمُّل جسدها، وهي تتقدّمني إلى صالةٍ فسيحةٍ حيث مجلسُنا. تخطّفتني مباهج، وضجّت دماء، وتفتّحت رؤًى، وباغتني منها شذا النعيم. ها هي متدفقة أمامي، بكلّ ما تحوزه من حرارةٍ وعنفوان، كأنّها خالدة لا تبلى:
– كيف الحال؟
– أنا على باب الله.
– وأنا على باب الشيطان.
ضحكت، فكشفت عن أسرارٍ دافئة، وطيبةِ قلبٍ لطالما لذتُ به ساعةَ تَكفهرّ الحياة، وجاريتُها في ضحكتها، مستغلًّا لمسةَ مرحها، طامعًا في لحظاتٍ مفعمةٍ بالطمأنينة والوُدّ، فحدجتني بنظرةٍ ذات معنى، كأنّها تطمع في جوابٍ عن فحوى الزيارة.
قلتُ أُبدّد ما بيننا من ارتباك:
– كيف تمضي الحياةُ بكلّ هذا النكران؟
– ولكنّك اخترت.
– بل دُفعتُ إليها دفعًا.
صمتت، كأنها تستعيد ما كان بيننا من خصامٍ وفوضى، وانتظرتُ بشيءٍ من القلق والتوتّر. متى تنطق، فتعيد لي بعض راحتي النفسية؟… ولكنّها صوّبت نظرةً باردةً إلى عينيّ، عرفتُ من خلالها أنّ الزيارة قد باءت بالفشل، حتى قبل أن تبدأ.
فقلتُ مستعينًا بما بقي لي من أمل:
– ثمّة أشياء يجب أن تطّلعي عليها.
– لا حاجةَ بي إليها.
– حتى لو كان فيها براءتي؟
ضحكت، حتى كشفت عن أسنانٍ بيضاء عاجية، وهي تقول:
– لقد ضُبِطتَ بالجرم المشهود، فما سوف يُغيّر موقفي مثلًا؟
– ألا يكون الموقف بمِثل ما توقّعناه؟
قالت، وهي تُناولني فنجان القهوة:
– أفصح أكثر.
خامرني شعورٌ بالخوف، استنجدتُ بسجّادٍ فارسيٍّ على الأرض، غرقتُ في تأمُّل تفاصيل نسجه. ليتني ما اقتربتُ من مثل هذا القول. إنّ براءتي لن تجلب لي غير المزيد من السخط، والغضب، والثورة. ما الفرق عند المرأة بين الزنا والزواج بأخرى؟… لعلّ الزنا أهون الشرور، وأيسرها على القلب…
ولمّا أطلتُ حديثي إلى نفسي في صمتٍ كشف حيرتي، عادت تقول:
– أرأيت؟ لا حجّة لك غير التخبّط.
– ولكن…
قاطعتني بحدّة:
– انتهينا.
فليبقَ النزر القليل من الودّ ما بقيتِ الحياة. وأن أكون خائنًا في نظرها، أهون عندي من زواجٍ سرّيٍّ كدتُ أفضح به نفسي، ناسفًا ما تبقّى من مشاعر احترامٍ لعِشرةٍ قديمة. ها أنا الآن في قفصِ حُكمٍ أخير، أقف بلا حول ولا قوّة. التبريرُ كشفٌ لزيجةٍ سرّيّةٍ ثانيةٍ أخفيتُها كلَّ هذا العمر، أمّا البقاء على معرفتها بواقعة ضبطي، فسقطة لن يغفرها لي الحبّ ما حييت.
وتردّدت كلمتُها كزلزالٍ قوّض كلّ شيء:
– طلّقني…
ما الذي بقي منّا، من حبٍّ لم يحفظ غير أخيلةٍ باردة، ووجهٍ شاحب؟… يا له من تاريخٍ طُوي بزلةٍ هيّنة، فانكشف واقعي عن زيارةٍ باردة قد تكون الأخيرة، وفريدةُ تجاهد بكلّ ما ملكت من حقّ. ها هي تُغلق كلّ منفذ، وتقطع كلّ طريق، وتقتل كلّ رجاءٍ في العودة. فلتكن الحياةُ التي سوف أُطرَد إليها، كما طُرِد آدم من جنّةِ ربّه إلى جحيم الأرض. عليّ أن أتهيّأ للآتي، وأن أُعِدّ حياتي لفراغٍ مهولٍ سوف يعصف بي. وما طَعمُ ما سيكون دون لمستها الفاخرة، ووحيها الروحي؟…
لكنه الخطأ الذي استوجب العقاب، وآخرُ فُرَصي تَضمحلّ أمام عيني، كقُبطانٍ يتأمّل غرقَ سفينته بعينٍ دامعة، وبعجزٍ مُقْعِد.
ولمّا لاحظت صمتي ويأسي، قالت كأنّها تعتذر عمّا بدر منها:
– ليتك لم تفعل.
– ما كان، كان.
– ولكنّك خسرت.
– أعرف، وكان يجب ألا أجرّكِ معي إلى ما نحن فيه.
– لستُ خاسرةً على أية حال.
قلتُ، أسوق الحديث إلى وجهةٍ أخرى، وجهةٍ أكثر طمأنينة لي ولها:
– أعرف يا فريدة، أنّي الخاسر الوحيد في زواجٍ تمنّيتُ من قلبي أن يستمر.
– لكنّك لم تُحافظ عليه كالرجال.
أوجعتني كلماتُها، كأنّما نثرتِ الملحَ على جرحٍ مُتعفّنٍ قديم… ليتني ما جئتكِ أصلًا. لكنه الحبّ، وبعض الرجاء الذي يأمله من كان في مثل موقفي…
خلدنا إلى صمتٍ أعمى، تراءت لي ذكرياتُ الماضي بأفراحها الزاهية. تساءل قلبي بفيضٍ من أسى: كيف يتغيّر الإنسان من النقيض إلى النقيض؟ وأين اختفت كلّ تلك اللوعة، والشوق، والحب؟… ذاب كلّ شيءٍ بنارِ اكتشافكِ القاسي. أكان يجب أن تمرّي في ذلك التوقيت، ومن تلك الطريق تحديدًا؟!
***
كان المغيبُ يقطرُ سمرة، وشمسُ الصيفِ عالقةً في الأفق الأرجواني البعيد. كنا نسير الهوينا، ولم يخطر ببالي أبدًا أن تتقاطعَ طريقُنا في صدفةٍ قاتلة. لحظةٌ واحدة غيّرت كلّ شيء. وقعت عيني عليكِ… كانت يدُها لا تزالُ عالقةً في يدي، ضجّت دمائي، وجيبُ قلبي تردّد في أذني، روحي تسأل بشيء من الإنكار: أهذه أنتِ يا فريدة؟! تمنيّتُ لو كان حلمًا أتداوى منه باليقظة. لكنه الواقع بلحمه ودمه، وصوتكِ يصلني كأنه ينكر عليّ موقفي: «أهذه آخرتها يا فارس؟» نعم… هذه آخرتُها.
التقينا كالغرباء، لم ننبس ببنت شفة. حمل كلٌّ منا وجعَه في قلبه، وواصل طريقه بما تبقّى له من قوة. لم تنتبه زوجتي الثانية إلى ما اشتعل تحت نظرها من حرائق سرعان ما خمدت إلى رماد، بمرورٍ أنكرْنا فيه مشاهدتَنا القاتلة. لم ألتفت، لم أُفكّر في شيء. فقط، استحوذتْ عليّ الطريقُ بامتدادها، وأرصفتها، وأشجارها، وجدران بيوتها، ومشربيات حوانيتها، وسابلتها. كانت كلُّ الصور تسقط في وعيي بلا معنى، وانتبهتُ إلى يدها العالقة في يدي، فبدا الأمر كما لو أنني أُحكم قبضتي على قطعة من خشب. وللحقّ، فقد أكبرتُ صمتَها الذي خلّصني من التوتّر والتأتأة، وحرمها قراءةَ جفافِ حلقي، وانعقادِ لساني، وشحوبِ وجهي، حتى استعدتُ عافيتي بمرور الوقت، وقد حدث.
زايلني شعورُ الخوف من الصدمة، تبتُ إلى رشدي، ورحتُ أفتّش عن كلمات تُخلّصني من رفقتها. وقبل أن أهتدي إلى ما سأقول، بادرتني:
– أحسّ بتعبك.
هززتُ رأسي علامةَ صحّة تقديرها، فعادت تسأل:
– مريض؟
– مغص.
– لا تُهمل نفسكَ لأجل طفلكَ القادم… ولأجلي.
– سأفعل.
من هناك نفذتُ إلى حاجتي في مفارقتِها، لأعود إليّ، إلى نفسي المتعثّرة بلحظةِ انكشافي. سرتُ في شوارع قسنطينة على غير هدى، كأني أعيد اكتشاف نفسي وما حولي، وفي رأسي مئات السيناريوهات التي تُبرّئ ذمّتي، أو تُلطّف – على الأقل – من هول ما سيكون.
ثم عدتُ إلى فريدة صاغرًا، لا أحمل على لساني غيرَ الإنكار والمراوغة. أمّا وجهي، فقد أعجزني عن قولٍ من شأنه أن يرأب الصدعَ الذي اتسع وكبر وتضخّم، حتى أشرفتْ به على مغادرة عشّ الزوجية.
بتكرار زياراتي لها تعقّدت الأمور أكثر، فاستحالت حياتُنا. بدا أنّ الاتفاق يمضي إلى حقيقة النهاية، وقد اقتنعتْ – وأقنعتني – بالخيانة سببًا لخراب زواجنا. ورغم قسوة كلماتها الجارحة التي بقي صداها يتردّد في نفسي، فقد رأيتُ من الحكمة أن أبقي طبيعة علاقتي بالمرأة الثانية طيَّ الكتمان، طالما أن زواجي تمّ – مبدئيًّا – بصيغة عرفية. وها أنذا أتطلّع من خلاله إلى تجربةٍ أخرى، مليئةٍ بشعور الأبوّة الذي حُرِمتُه.
بقي الصمتُ علامةً تدلّ علينا، وشارةً تفتحنا على نهايةٍ مرتقبة أكيدة، كأنّ على رؤوسنا الطير. وتطلّعتُ برغبةٍ مشبوبة إلى سعادةٍ منقضية لم يخفت فيها حبّي يومًا اتجاهَها، ففضحني حزني، وتعاظمتْ حاجتي إلى قول ولو كلمةٍ أخيرة. لكني كنتُ أعجزُ من أن أطلبَ صفحًا يعيدني إلى جنّتها. لقد انقضى ما انقضى، وعليّ أن أرضى بنصيبي منها، فليس من المنطق تمامُ الحظوظ، وإلا فسدت الحياة.
هكذا تشظّت نفسي بين الحبّ والحاجة في امرأتين لا رابطَ بينهما غيرُ أنانيّتي. بدا كأنني أشرف على المأساة. ناور الفراغَ بثقله، في مجلسٍ فرغت فناجين قهوته وأزفَت لحظةُ انفضاضه. وضعتْ يدها على يدي بحنوّ، وقالت:
– أقدّر رغبتك في الأبناء…
انتابني الهلع، وقفتُ كمن مسّته لسعةُ سيجارة، وتساءلتُ بقلق: كيف نفذتْ إلى صميم الحقيقة؟ ووجدتني أُردّد بحلقٍ مالح:
– الأبناء؟!
فقالت بثقة:
– ليتك صدقتَ معي.
عرّاني الوجوم أمامها. هي تعرف كلّ شيء إذن. تعرف أنّ مُرافقتي زوجة لا غانية، فلم كلّ هذه المحاورة والمداورة؟! ولم أجد تبريرًا لما حصل ويحصل أمامي، فاستنجدتُ بقول:
– إنه المُقدَّر…
هزّتْ رأسها بيأس، نهضتْ تتقدّمني إلى الخارج، وأنا أسير في إثرها كظلٍّ ميّت.
“زيارة أخيرة” قصة قصيرة… بقلم طارق لحمادي
IMG 20261015 134909
