• هل تجسد الشعبوية الثقافية انكسار النخبة أمام المغريات ودخولها في طابورها، حتى صارت من قوة مؤثرة في المجتمع إلى فئة تتأثر بأهوائه وتبحث عن اعترافه؟!
ربما يضعنا هذا التساؤل المثقل بعلامات !! أمام إحدى أعقد المفارقات التي يعيشها المشهد الثقافي المعاصر- الضحية فيه معلوم والجاني فيه بدوره معلوم.. حيث لم تعد أزمة النخبة مقتصرة على تراجع حضورها الفكري أو عجزها عن إنتاج المعرفة- وإنما امتدت هناك.. إلى طبيعة علاقتها بالمجتمع الذي يفترض أنها تمارس فيه دورها الجاد في النقد والتنوير، بعدما أصبح بعض المثقفين يعيدون تشكيل خطابهم وفق ما يضمن لهم القبول ويصنع معه الانتشار، حتى صارت الثقافة في كثير من مظاهرها نشاطاً استعراضياً فولكلورياً.. تتقدم فيه الرغبة في الظهور على مسؤولية التفكير، وتتراجع داخله القضية الثقافية أمام إغراءات الشهرة وهوسها والاعتراف الاجتماعي الذي يريح الأنا ويجعلها مطمئنة
إن الشعبوية الثقافية لا تنشأ بالضرورة من خارج النخبة- فقد تتحول النخبة نفسها إلى أحد أهم منتجيها وهذا عندما تتخلى عن استقلالها الفكري وتبحث عن شرعيتها في التصفيق الجماهيري- وهنا تتجسد المفارقة في أن المثقف الذي كان يفترض أن يساهم في الارتقاء بالذائقة العامة أصبح يستمد معايير خطابه من تلك الذائقة.. ويعيد صياغة مواقفه بما يتوافق مع المزاج السائد، خشية أن يفقد حضوره أو تتراجع شعبيته، وهو تحول في حد ذاته بالغ الخطورة لأنه وببساطة ينقل المثقف من مساحة المساءلة إلى مساحة الاستجابة.. ويجعل الوعي تابعاً لما كان يفترض أن يكون موضوعاً للتفكير والنقد
ولعل أقسى ما تفرزه هذه الظاهرة هو إفراغ الممارسة الثقافية من قضيتها الأم، ذلك أن الثقافة عندما تنفصل عن مشروع معرفي أو إنساني أو حضاري تفقد قدرتها على إحداث التحول داخل المجتمع وتصبح مجرد حركة متواصلة من الأنشطة واللقاءات والتكريمات التي تنتج حضوراً اجتماعياً كثيفاً دونما أن تترك أثراً فكريا قويا يوازي حجم الضجيج المحيط بها. حتى يظهر المشهد الثقافي ممتلئاً عن آخره بالأسماء والفعاليات والصور، بينما تتراجع داخله الأسئلة الكبرى المتعلقة بالوعي والحرية والمعرفة والإنسان- وكأن الغاية من الثقافة أصبحت إثبات وجود المثقف في الساحة أكثر من إثبات جدوى وجوده فيها
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً وقت تتداخل الشعبوية مع المصالح الرمزية والمادية- حيث تتحول المكانة الثقافية إلى رصيد قابل للاستثمار الاجتماعي وتصبح العلاقات وشبكات الاعتراف المتبادل بديلاً عن القيمة الفكرية التي يفترض أن تمنح المثقف مشروعيته.. فتتكون تدريجياً بيئة ثقافية تعيد إنتاج الأسماء نفسها وتعطي الشرعية لمن يجيد الاندماج في منظومة المجاملات والتصفيق، بينما يجد الخطاب النقدي المستقل نفسه أمام عزلة متنامية- لأن وجوده يهدد ذلك التوافق الضمني الذي يجعل الجميع جديراً بالاحتفاء ما دام الجميع يشارك في صناعة الاحتفاء
وقد ساهمت المنصات الرقمية في تعميق هذا التحول ولعبت دوراً رئيساً منذ فرضت على الإنتاج الثقافي منطق السرعة والتفاعل والانتشار وأصبحت القيمة تقاس لدى بعض الفاعلين بعدد المتابعين وحجم المشاهدة وكمية الجامات، وهو ما يدفع المثقف غالباً إلى التضحية بتعقيد الفكرة لصالح سهولة استهلاكها، وإلى استبدال الأسئلة المقلقة بخطابات مطمئنة لا تستفز الجمهور ولا تهدد قناعاته.. حتى تتحول الشعبية من نتيجة محتملة للتأثير الثقافي إلى غاية تتحكم في طبيعة الإنتاج الفكري نفسه
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين انفتاح الثقافة على المجتمع وخضوعها للشعبوية، لأن الثقافة التي لا تستطيع التواصل مع الناس تفقد جانباً من وظيفتها الإنسانية، ولكن هذا التواصل يفترض أن يقوم على توسيع إمكانات الفهم وإثارة الأسئلة وتحرير العقل من المسلمات.. بينما تعمل الشعبوية على استثمار القناعات الجاهزة وإعادة إنتاجها لضمان استمرار القبول الجماهيري ومداهنته، ومن هنا يظهر الفارق الجوهري بين مثقف يحترم جمهوره بما يكفي ليدعوه إلى التفكير، وآخر يخشى خسارته إلى درجة تجعله يتجنب كل فكرة قد تزعجه
إن انكسار النخبة الحقيقي يبدأ عندما تتخلى عن شجاعة الاختلاف وعندما يصبح المثقف أكثر انشغالاً بصورته الخاصة في أعين الاخرين من انشغاله بما يستطيع أن يضيفه إلى الوعي الجمعي، فالثقافة لم تكن مطلقاً في جوهرها سباقاً على الشعبية أو وسيلة لبناء المكانة الاجتماعية- وإنما ممارسة نقدية شاقة تقتضي أحياناً الوقوف خارج الإجماع ومواجهة الذائقة السائدة ومساءلة المجتمع عن تناقضاته بصرامة.. حتى حين يكون ثمن ذلك العزلة أو فقدان الاعتراف.
وهنا تعود الإشكالية إلى جوهرها الأكثر إيلاماً- إذا كانت النخبة التي يفترض أن تقاوم التبسيط والتجهيل والتمييع قد أصبحت تستمد وجودها من الاليات نفسها التي تنتجهم.. فمن الذي بقي ليمارس وظيفة النقد؟! ولعل المأساة الثقافية الأعمق لا تكمن في صعود الشعبوية داخل المجتمع.. وإنما في المسافة التي يتوقف فيها المثقف عن إدراك أنه أصبح جزءاً منها- فيواصل الحديث عن صناعة الوعي بجدية بينما يمارس شروط إجهاضه ويطالب المجتمع بالارتقاء وهو منشغل بالبحث عن مكان متقدم في طابور التصفيق
وعندها لن نكون أمام مجتمع فقد نخبته.. وإنما أمام نخبة فقدت قضيتها وهي تشردت ثم راحت تبحث في الجمهور عن تعويض رمزي لهزيمتها الفكرية.
الشعبوية الثقافية.- ترويض النخبة وإجهاض المشروع.. بقلم خليفة عبد السلام
IMG 20261011 174334
