ومضات أمل الثقافية/ خمسة وستون عامًا على ليلة مأساة لازالت تشهد على دموية فرنسا –
• في السابع عشر من أكتوبر سنة 1961- شهدت العاصمة الفرنسية باريس واحدة من أكثر الوقائع دموية في تاريخها المعاصر.. وهذا بعدما تحولت مظاهرة سلمية نظمها الجزائريون المقيمون بفرنسا احتجاجاً على الإجراءات الأمنية التمييزية والعنصرية إلى حملة قمع عنيفة وواسعة نفذتها قوات الشرطة الفرنسية.. والتي أسفرت عن سقوط عشرات القتلى واختفاء آخرين واعتقال الآلاف في ليلة ارتبطت فيها شوارع العاصمة وجسورها وضفاف نهر السين بمأساة إنسانية ظلت لعقود طويلة خارج دائرة الاعتراف الرسمي بحجمها الحقيقي- رغم الشهادات التي وثقت وقائع القتل والعنف والاعتقالات الجماعية وما كشفته لاحقاً الأبحاث التاريخية والصور الأرشيفية التي نجت من التعتيم والتضليل
كانت فرنسا آنذاك تعيش السنوات الأخيرة من حرب التحرير الجزائرية التي اندلعت في نوفمبر 1954- فيما أخذ الصراع الاستعماري يمتد إلى الأراضي الفرنسية حيث يقيم مئات الآلاف من الجزائريين الذين شكلوا جزءًا أساسيا من اليد العاملة في المصانع وورش البناء والخدمات، وعاش كثير منهم في أحياء شعبية وضواحٍ تفتقر إلى أبسط شروط الحياة الكريمة.. خاصة في منطقة نانتير غرب باريس وهذا وسط رقابة أمنية مشددة فرضتها السلطات الفرنسية في سياق مواجهتها لجبهة التحرير الوطني، قبل أن يتخذ محافظ شرطة باريس موريس بابون في الخامس من أكتوبر 1961 إجراءً يقضي بفرض حظر تجول يستهدف الجزائريين دون غيرهم ويمنعهم من التنقل خلال ساعات الليل، في قرار كشف عن امتداد التمييز الاستعماري إلى الحياة اليومية للجزائريين المقيمين على الأراضي الفرنسية
وأمام هذه الإجراءات.. دعت فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا إلى تنظيم مظاهرات سلمية مساء السابع عشر من أكتوبر، مطالبة المشاركين بالحضور دون أسلحة، حيث خرج ما يقارب ثلاثين ألف جزائري من مختلف أحياء العاصمة وضواحيها- بينهم عمال ونساء وأطفال وقد ارتدى كثير من الرجال ملابسهم الرسمية في مشهد يعكس حرص المشاركين على الطابع المدني للتحرك، بينما كانت مجموعات أخرى تتقدم نحو وسط باريس عبر محطات المترو والجسور المؤدية إلى الأحياء الكبرى، في محاولة لإيصال رسالة سياسية تؤكد رفض الجزائريين التعامل معهم باعتبارهم فئة محرومة من الحقوق داخل بلد كانوا يحملون فيه، وفق الوضع القانوني الاستعماري انذاك، الجنسية الفرنسية
ومع حلول المساء.. تحولت نقاط التجمع والطرق المؤدية إلى وسط العاصمة إلى مناطق انتشار أمني كثيف، حيث أقامت قوات الشرطة حواجز عند جسر نويي وساحة النجمة ومداخل عدد من محطات المترو والشوارع الرئيسية، قبل أن تبدأ عمليات تفريق المتظاهرين بالقوة مصحوبة بالضرب والاعتقالات وإطلاق النار في بعض المواقع، فيما كشفت الشهادات التاريخية عن تعرض جزائريين لاعتداءات عنيفة على ضفاف السين، وإلقاء بعض الضحايا في مياهه، في مشاهد أصبحت لاحقًا من أبرز الأدلة على طبيعة القمع الذي شهدته تلك الليلة، بعدما أثبتت التحقيقات أن العنف لم يقتصر على تفريق الحشود، وإنما امتد إلى أشخاص كانوا قد وقعوا تحت سيطرة الأجهزة الأمنية ولم يعودوا يشكلون أي تهديد
كما تكشف الوثائق التاريخية عن اعتقال أكثر من اثني عشر ألف جزائري خلال ساعات، حيث جرى نقل أعداد كبيرة منهم في حافلات تابعة للشرطة وأخرى تابعة لشبكة النقل الباريسية إلى مراكز احتجاز مؤقتة، من بينها قصر الرياضة ومركز فانسان وملعب بيير دي كوبرتان وقصر المعارض، وقد وصفت شهادات الناجين ظروف الاحتجاز القاسية وما رافقها من اعتداءات جسدية وإهانات ومعاملة مهينة، فيما واجهت عائلات كثيرة صعوبات في معرفة مصير أقاربها الذين خرجوا للمشاركة في المظاهرات ولم يعودوا إلى منازلهم.. لتتحول عمليات البحث عن المفقودين إلى مأساة أخرى عاشتها الجالية الجزائرية خلال الأيام التالية
أما الحصيلة البشرية فقد أصبحت واحدة من أكثر القضايا التي شغلت المؤرخين والباحثين في تاريخ الاستعمار الفرنسي- خصوصاً أن السلطات أعلنت في البداية سقوط ثلاثة قتلى فقط.. بينما كشفت الدراسات والشهادات اللاحقة أن عدد الضحايا كان أعلى بكثير، مع اختلاف التقديرات تبعاً للفترة الزمنية التي يشملها التحقيق وحالات القتل والاختفاء التي أمكن توثيقها- إذ يتحدث بعض الباحثين عن عشرات القتلى خلال ليلة السابع عشر من أكتوبر، فيما ترفع تقديرات أخرى الحصيلة إلى أكثر من مئتي ضحية عند تناول موجة القمع الأوسع المرتبطة بتلك المرحلة.. وهو ما يجعل تحديد العدد النهائي مسألة تاريخية لم تُحسم بصورة قاطعة، خاصة في ظل النقص الذي شاب السجلات الرسمية وصعوبة إعادة بناء مصير جميع المختفين
ولعبت الصور الفوتوغرافية دوراً محوريا في إعادة الكشف عن تلك الأحداث وهذا بعدما وثق المصور الفرنسي إيلي كاغان جانبا من المظاهرات وحملات القمع في شوارع باريس، لتصبح لقطاته التي تُظهر المتظاهرين المحاصرين والموقوفين قرب محطات المترو ووجود القوات الأمنية من أهم الوثائق البصرية التي استعان بها الباحثون لفهم ما جرى، كما احتفظت الأرشيفات الصحفية بصور أخرى توثق الحشود والاعتقالات وتحركات النساء الجزائريات خلال الأيام اللاحقة، حين خرجن بحثاً عن أخبار أزواجهن وأبنائهن وأقاربهن المحتجزين، وهو ما يؤكد أن تداعيات المجزرة تجاوزت حدود الليلة التي وقعت فيها.. وامتدت إلى حياة عائلات وجدت نفسها في مواجهة الفقد والخوف والصمت المفروض على الضحايا
وقد ساهم التعتيم الذي أحاط بالأحداث في تأخير الاعتراف بحقيقتها التاريخية- خاصة مع الرواية الرسمية الأولى التي قلصت عدد القتلى وقدّمت القمع في إطار التعامل الأمني مع مظاهرة محظورة.. بينما واصل الناجون وعائلات الضحايا والباحثون والمنظمات الحقوقية العمل على جمع الشهادات والوثائق واستعادة أسماء المفقودين- إلى أن بدأت مأساة السابع عشر من أكتوبر تحتل مكانتها تدريجيًا في النقاش العام الفرنسي.. مستفيدة من أعمال مؤرخين من بينهم جان لوك إينودي، الذي أسهمت أبحاثه حول المجزرة في إعادة فتح الملف وكشف جانب مهم من المسؤوليات المرتبطة بما وقع
وبعد أكثر من نصف قرن- شهد الموقف الرسمي الفرنسي تطورات متعاقبة.. إذ أقر الرئيس “فرانسوا هولاند” سنة 2012 بحقيقة القمع الدموي الذي تعرض له المتظاهرون الجزائريون قبل أن يصف الرئيس “إيمانويل ماكرون” سنة 2021 الجرائم المرتكبة تحت سلطة موريس بابون بأنها جرائم لا يمكن تبريرها بالنسبة للجمهورية الفرنسية.. كما اعتمدت الجمعية الوطنية الفرنسية في مارس 2024 قراراً يعترف بالمجزرة ويدين القمع الدموي الذي استهدف الجزائريين وهذا في خطوات أعادت القضية إلى واجهة النقاش السياسي والتاريخي مع استمرار المطالب المتعلقة بتحديد المسؤوليات كاملة وإتاحة الأرشيفات واستكمال مسار الاعتراف والإنصاف
واليوم؛ بعد مرور خمسة وستين عاماً على تلك الأحداث.. ها هي تستعيد الذاكرة الجزائرية واحدة من أكثر المحطات إيلاما في تاريخ حضورها على الأراضي الفرنسية.. بينما تحتفظ الصور التي التقطتها عدسات المصورين في تلك الليلة بقيمتها بوصفها شواهد تاريخية على وقائع حاول التعتيم أن يحجبها عن الأجيال اللاحقة- فخلف الحشود التي ظهرت في الشوارع والوجوه التي اصطفت أمام عناصر الشرطة والمعتقلين الذين ازدحمت بهم الحافلات كانت هناك حيوات بشرية بأكملها توقفت أو تغير مسارها تحت وطأة العنف.. لتبقى مجزرة السابع عشر من أكتوبر 1961 جزءاً من التاريخ المشترك بين الجزائر وفرنسا.. وواقعة تطرح على الوعي المعاصر مسؤولية مواجهة الماضي بما تتطلبه الحقيقة من توثيق واعتراف بعيداً عن اختزال المأساة في مناسبة سنوية تنتهي بانتهاء مراسم إحيائها.
