اختار جمال ضربان ميتةً بعيدةً عن الأعين، أو هذا ما حسبه. كان تخطيطه ينمّ عن قدرة لافتة في الترتيب والتنظيم والإعداد؛ بدا كأنه يُعِدّ مشروعًا سيغنم من ورائه.
زار، في البداية، أخته زهيرة. استعاد معها ذكريات ماضٍ، ترحّما فيه على موتاهما، وتشعّب حديثهما فشمل الإخوة والأعمام والأخوال. ورأت، من الذوق، أن تحمّله سلامها لزوجته مع بعض الأغراض، فاعتذر متذرّعًا بأنه سيتأخر في العودة إلى البيت. وهكذا غادر ضيافتها إلى لقاء شقيقه أحمد، غير أنّه لم يعثر عليه في بيته. ثم عرّج على عمّته خداوج، ليجدها طريحة الفراش، فواساها بما وسعه من كلام مرتبك. وحين سألته عيادتها مرة أخرى، قال بصوت متوتّر:
– إن شاء الله يا عمّة.
قالت، وهي تحدّق فيه:
– أنت الباقي من رائحة المرحوم.
وكاد يقول: إن كان في العمر بقية، لكنه انتبه إلى فلتة لسانه، فتمالك نفسه قائلًا:
– ربّي يعطيك الصحّة.
وغادر مجدّدًا لمواصلة توديع باقي الأقارب، وفق خطة مضبوطة شارفت به على عشية شتوية باردة. أخيرًا، وجد نفسه وحيدًا في طريق شبه خالية. تلفّت يمنةً ويسرةً، كأنه يستنجد بوجود أحد ما، فلم يلقَ غير حفيف أوراق أشجار تقاوم بعناد صفعات الرياح. عاد يتابع ظلّه بشيء من الاهتمام؛ إنّه آخر ما بقي يرافقه من حفلة زياراته.
وخُيّل إليه كأنّ صوتًا سماويًا دمدم كالرعد: «أنت وحدك.» فشعر بخوف غريب يتسلّل إلى روحه. ألقى نظرة على المدينة، وكان الوقت قد أزف، فألفاها خاليةً إلّا من ضوء مصابيح مرتعشة. هل بقي الآن وحده لمواجهة مصيره الحتمي؟
وتبدّى له، مع طول مسافة الطريق إلى الجسر، أنّه ليس آسفًا بأي حال على ما مضى من حياته. وقال لنفسه، مهدّئًا: «إنّ حياةً كتلك لا تحمل المرء على التمسّك بها إلّا خوفًا من العقاب، ولكنّ الله غفور رحيم.»
تحسّس ورقة مطويّة في جيبه، قضى ليله في تدبيجها وصيّةً لمن يتعقّب حادثته. فتراءى له، من خلالها، حشدٌ من الناس يتجمهرون على حافة الجسر بفضول.
لكنه كان قد حسم أمره، بخطوات غير هيّابة، متقدّمًا على مهل نحو النهاية، وقد لاح الجسر هيكلاً مكوّمًا في غبش الظلمة. أرهف سمعه إلى أدنى صوت، أو أقلّ حركة، أو أوهى نأمة، تسحبه ممّا هو مُقدِم عليه، أو تعطّله، ولو لثوانٍ، عن جسامة الفعل وهوله. فلم يعترضه عارض.
كان الظلام قد توحّش، وران على المكان سكون كالموت. تجرّدت الدنيا من آخر جرعة أمل قد تمنح لميتته معنىً. وهو يخوض صراعه وحيدًا، أعزل، فاستسلم بلا حول ولا قوّة إلى مقادير لحظاته الأخيرة. وجرت إلى خاطره أحداث متداخلة، وصور مشتّتة، وأصوات متنافرة. وأمِنَ نفسه، وهو يمضي إلى حتفه، بأنّ ما يختلج في صدره ليس جبنًا يقعده عن طلبه، بل حاجة نفس أخيرة تتلاقى مع عظمة ما سيقدم على فعله.
إنه يقتل نفسًا، ينهي حياة، يدمّر خلقًا. بمَ سيجيب ربّه حين يُسأل عن قتل نفسه؟ إنّ عِظم هذا الهول أكبر من أن يتمّ في صمت وظلمة وخلوة.
كان الجسر خاليًا، بعيدًا، تحيطه الظلمة والصمت. بلغه بشقّ النفس، وعليه الآن، وفي هذا العراء المواتي، أن ينفذ من الدنيا.
ليس مهمًّا أن تعترضه رغبة في البقاء، أو يطلع عليه صوت يستجديه أن يعدل عن قراره، أو يستدرجه واعظ للرجوع عمّا صمّم عليه… لا، لا معنى لكلّ هذه الشطحات البشرية المتأخّرة، ولا هو في حاجة، حتّى، إلى يد تقطع عنه ما عزم عليه.
وقف عند الحافة. يده على المعدن، برودة الفولاذ تتسلّل إلى جسده. الريح تزأر كوحش، تلطم وجهه بقسوة. نظر إلى الهوّة؛ حلكة آسنة. بلغ سمعه منها هدير مياه متلاطمة. تحرّك ببطء باتجاه عمق الجسر، ثم وقف مرّة أخرى، ستكون السقطة فادحة، لا أمل في النجاة منها. وبيدين مثلجتين تسوّر الحافة الواطئة، تشبّث برجليه ليصنع لجسده معبرًا نحو النهاية. وقف، أغمض عينيه.
ثانية واحدة فقط… ثانية، وينتهي كلّ شيء.
لكن، ورغم هدير المياه في الأسفل، حملت إليه الريح، من مكان لم يتبيّنه، ما يشبه خشخشة نعل ووقع خطوات، سرعان ما صاحبها نحنحة بشرية. واطمأنّ للحظة من هذا التغيّر المفاجئ. ثمّة من يهتمّ لنهايته، ثمّة من يشهد واقعته، حتّى وإن لم ينهه عن فعله.
وهو، أصلًا، ليس بحاجة إلى من يثنيه عن عزمه. ليس خَوّارًا خَرِعًا ليستعطف عابرًا يردّه عمّا أقحم نفسه فيه. إنّه مستعد، بكلّ جموحه، ليهوي في الفراغ حيث يرتطم بالصخور المحوّطة بدوّامات المياه. الأمر لا يرعبه؛ نفسه مليئة بأفدح ممّا في النهر من نتانة.
فتح عينيه واستدار على أمل أن يرى أحدهم يلوّح بيده. تمثّلت له العتمة بسكونها، ولمح تحت بصيص نور خافت قادم من شارع موازٍ شبحًا يقترب بهدوء. وانتظر ليشهد ما سيحدث في دنياه قبل أن يفارقها، كأنّه يريد استعراض ميتته أمام الوافد المجهول.
ولم يمض وقت طويل حتّى تكشّف الشبح من العتمة، ونصل سكين يلمع تحت ضوء منعكس من بركة مياه. وقفز صوته الجهوري الآمر:
– هات واش عندك!
بخفة قرد، قفز عن الحافة الفولاذية إلى أرض الجسر. دقّات قلبه رافقت هلعه: من أيّ كونٍ هبط عليه هذا الجنون؟ وهل يبدو الرجل جادًّا في طلبه؟
تخطّفه الموقف كلمعة برق. غامت الرؤى، وانقطعت الأصوات، إلّا من وجيب قلبه وسخونة أنفاسه. أيعتزم قتله فعلًا؟
عاود الرجل طلبه بصوت مؤكّد:
– هات، وإلّا نبالافريك! une balafre
في طرفة عين، استعاد وعيه بما حوله. استيقظ من غيبوبة الصدمة إلى لحظة وعيٍّ حادّة. الرجل ما يزال على وقفته، يطالعه بوجه قاسٍ وعينين جاحظتين، والنصل يبرق تحت يده.
تمثّلت له الدنيا في غرابة أطوارها بصورة عبثية. تردّدت في أعماقه حيرة كاسحة. كان يبحث عن الموت في النهر، فها هو يطلّ عليه من نصل سكين.
لم يُمهل الرجل ليتقدّم خطوة أخرى. فقد استيقظت حواسه دفعة واحدة، وتوتّرت عضلاته مستلهمة غريزة البقاء. يريد أن يبقى حيًّا، وليذهب كلّ شيء إلى الجحيم.
تراجع إلى الوراء قليلًا، مبتعدًا بجسمه عن مصدر التهديد، لكن الرجل لاحقه. لمعت حركة النصل من جديد، وتكرّر الطلب.
الخطر أقرب إليه من حبل الوريد، حادّ، حاضر، وفجائي.
خلفه الفولاذ الذي يعزل حافة الجسر عن الهوّة. لو تراجع قليلًا فسيتعثّر بالسياج. وبحدسه اكتشف حصاره: النصل في بطنه، والهوّة وراءه.
تهيّأ لحدث لم يتوقّعه. انقلب إحساسه من النقيض إلى النقيض؛ من شجاعة الإقحام إلى جبن الذلّة والتراجع. ولأوّل مرّة ينتابه شعور الخوف.
نعم، خاف في تلك اللحظة خوفًا حقيقيًا، بدائيًا؛ ليس خوف العاجز، ولا الخائب، ولا المقهور، بل خوف المُبقِي على حياته، تلك التي كان، قبل هنيهة، يرسم خطة إهدارها في النهر.
وسمع لدمه صوتًا حارًّا في عروقه، وشعر بقوّة حياة تصطخب في أعضائه. لا، لن يتحقّق موتي بهذه الصورة. كأنّه إعدام تمليه يد غريب؛ موت بلا معنى.
فصرخ.
تعرّى من آدميّته، ونزل دركات إلى جوهر الرغبة، إلى حيث يختبئ الحيوان فيه. استشعر طاقة الغريزة الأولى، شعلة النار العامرة بحبّ البقاء. واندفع.
التقط معصم الرجل بقبضة فولاذ، ونفضها بقوّة أجبرت اليد المعتدية على ترك السكين تنزلق إلى الأرض. تدافعا، تعثّرا معًا. لطمة أفقدته التركيز، لمعت كبرق خاطف في عينه اليمنى. تأوّه، اشتعل لسانه بالبذاءة.
الريح، والبرد، وهدير النهر، ولا أحد غيرهما. وقف يتحيّن فرصته. اقترب، ابتعد، شتّت انتباه خصمه، ثم عاجله بلكمة على فمه. سُمعت قضقضة عظم، وتفشّت في الفضاء رائحة دماء.
عاد إلى إحساسه. وجهه يؤلمه. الألم حادّ، لكنّه لذيذ على نحو غريب.
هو حيّ.
قفز الغريب متعثّرًا بخوفه، لائذًا بالظلام كأرنب مذعور، فيما ارتمى هو على أرض الجسر، يداه مفتوحتان، ووجهه إلى السماء، وصدره يعلو ويهبط بلهاث ملأ الليل.
ثم تحامل على يديه، ووقف من جديد على حافة الجسر، ينظر إلى العتمة، فلا يبلغه منها إلّا الهدير.
une balafre
= شقّ / جرح غائر، وغالبًا يُستعمل للجرح الناتج عن سكين أو نصل، وأحيانًا للأثر المتبقّي (الندبة). والكلمة فرنسية محورة إلى العامي الجزائري
