متى يضيق الثوب على الجسد، فيغدو الحرير قيدا، ويصير الجميل سجنا؟ وماذا يصنع المبدع حين يحسّ أن الجنس الأدبي الذي ورثه لم يعد يتسع لما يَعتمِل في صدره من حكايات وأصوات وأنفاس؟ أيبقى وفيا لحدود النوع، أم أن النص، إذا بلغ من التوتر والجموح مبلغا، شرع يفتّش عن شكل آخر يشبهه كما تشبه المرآةُ وجهها؟
من هذه المنطقة القلقة بين ما هو قائم وما يتشكل، بين المسرح والسرد، وبين الصفحة والخشبة، وبين فعل القراءة ودهشة المشاهدة، يدخل كتاب «المسردية: المصطلح، وأسئلة التجنيس»، الصادر عن منشورات سرمداء للنشر والترجمة في السداسي الثاني من سنة 2026، في ست مئة (600) صفحة من الحجم الكبير بمشاركة نخبة من الباحثين العرب. ولهذا لا يعتبر الكتاب استكتابا يُجاور فيه بحث بحثا، بل هو في بنيته العميقة حوار نقدي رحب، تتجاور فيه الأصوات كما تتجاور النجوم في سماء واحدة، حول ظاهرة أخذت تغادر دائرة التجربة الفردية إلى فضاء السؤال الأدبي العام.
فهو لا يبدأ من المسردية جوابا مكتملا، بل من القلق الذي أفضى إليها، قلق الشكل حين يعجز عن مرافقة اتساع الرؤية، وقلق الجنس حين تتشقق حدوده تحت ضغط التجريب كما تتشقق الأرض العطشى قبل أن يأتيها المطر. ومن هذا القلق تتناسل أسئلته الكبرى: ما المسردية؟ أهي مصطلح جديد؟ أم صيغة هجينة؟ أم مشروع جمالي يعيد ترتيب العلاقة بين السرد والمسرح؟ وهل نحن أمام جنس أدبي جديد حقا، أم أمام منطقة عابرة للأجناس تستمد قوتها من رفضها الإقامة في خانة واحدة؟
وتقوم البنية الداخلية للكتاب على محاور متشابكة، كخيوط نسيج واحد. يبدأ بعضها من المصطلح وتكوّنه ومشروعيته النقدية، ثم يمضي إلى أسئلة التجنيس وتداخل الأجناس والكتابة عبر النوعية، ويقترب من آليات التجريب في النصوص المسردية وبناها السردية والدرامية، ثم يفتح السؤال على علاقة النص بالقارئ والعرض، وعلى ازدواجية القراءة والتمثيل، قبل أن يتسع إلى القضايا الجمالية والدلالية التي تكشف ما تهبه المسردية للكتابة المعاصرة. وهكذا لا تسير الدراسات في خط مستقيم، بل تنتقل كما يتنقل النهر: من المصطلح إلى المفهوم، ومن المفهوم إلى الممارسة، ومن الممارسة إلى سؤال المستقبل.
وتكتسب مقدمة الدكتور عبد الحميد ختالة أهميتها من أنها تضع المسألة في سياق تاريخ المسرح وتحولاته، وتستعيد تلك الصلة القديمة بين النص المكتوب والفعل المسرحي، بين ما يُقرأ وما يُرى. ومن بين سطورها يطلّ السؤال الذي يبدو العصب الخفيّ للكتاب كله: ماذا يحدث حين لا يكتفي النص المسرحي بحياته على الخشبة، ويفتّش عن حياة أخرى في فضاء القراءة؟ فالمسرح، كما توحي المقدمة، يعيش حياتين: حياة في الكتابة، وحياة في العرض، وبينهما أرض واسعة من النصوص بقيت أسيرة الصفحة، تنادي ولا يسمعها أحد، قبل أن تبلغ متلقّيها. ومن ثم يغدو البحث عن صيغة جديدة محاولة لإنقاذ النص من موت محتمل، لا ترفا شكليا، ومنحه قابلية مزدوجة: أن يُقرأ، وأن يبقى قادرا على أن يتجسّد.
وفي هذا الأفق تتجلى قيمة المسردية اقتراحا لا يريد أن يُلغي المسرح، ولا أن يبتلع السرد، بل يسعى إلى إعادة توزيع وظيفتيهما في بنية واحدة. فالسرد يهب النص امتداد الحكاية، ورحابة الوصف، وبناء العالم، والمسرح يهبه نبض الحركة، وحرارة الحوار، وجسد المشهد. وبينهما يتشكل نص لا يقف على الحدّ الفاصل، بل يمشي عليه كما يمشي المتوازن على حبل مشدود، كأن الحدود نفسها صارت مادة من مواد الكتابة، وطينا في يد الخالق.
غير أن هذه التجربة لم تنبت في فراغ نقدي. فقد نُسجت حولها، قبل هذا الكتاب، شبكة من القراءات أسهمت في بناء الوعي النقدي بها. وسّعت قراءات جنادي زليخة و غزلان هاشمي النظر إلى التجريب وتحولاته، وفتحت أسيا بوعزيز مسارا يقرأ التمثل السياسي لمسردية «النخلة وسلطان المدينة». وانشغل الدكتور السعيد الغزاوي بأسئلة التشكيل والتداخل باعتبار عزالدين جلاوجي فيلسوف المسردية، واقتربت وسام علي الخالدي من منطقة العبور الأجناسي كاشفة التوتر الخلّاق بين «بلاغة الحكي» و«خشبة الفعل». ورفدت نجاة وسلاتي ومحمد الطاهر النقاش بأسئلة البنية والتجريب والتلقي، ومدّت نبيلة علي، من السويد، أفق البحث في المفهوم وامتداداته. وبذلك لم تعد المسردية تجربة يرويها صاحبها عن نفسه، بل صارت ظاهرة تتقاطع عندها أسئلة المصطلح والبناء والجنس والتلقي والأداء. وهذا التراكم هو ما يجعل الكتاب الجديد حلقة متقدمة في مسار نقدي بدأ يتشكل حول المسردية، لا بداية منقطعة عمّا سبقها، كما يأتي الجدول رافدا في نهر لا نبعا منفصلا.
وتبرز هنا قراءة هدى شنيتي لـ«غنائية الحب والدم» كمقاربة تطبيقية على نحو خاص، لأنها تكشف أن المسردية ليست مجرد جمع للسرد والمسرح في مساحة واحدة، بل إعادة تنظيم لوظائف اللغة والحكاية والمشهد والصوت. فالنص، في قراءتها، يسرد حين يحتاج إلى السرد، ويتحول مشهدا حين تستدعي اللحظة الحركة والحوار، ويستدعي الغناء حين تعجز اللغة الخبرية عن حمل الانفعال، كأن الكلمة حين يثقل عليها الشعور تنكسر نغمة. وبذلك تصبح البنية نفسها حاملة للدلالة، ويقف القارئ في موقع مزدوج: قارئا يرى، ومتفرجا يقرأ.
أما تامر العراب فتناول المسردية في ضوء السرديات الإدراكية، ونقل النقاش من بنية النص إلى كيفية تشكّل العالم المسردي في ذهن القارئ، فالمسردية تستدعي تمثيلا ذهنيا مزدوجا: سرديا يتابع الأحداث والعلاقات، ومسرحيا يستحضر الحركة والفضاء والإضاءة ومشهدية الأداء. ومن هنا يقترح مفهوم «التمثيل الذهني المزدوج».
وتنطلق سعاد المرنيصي من التداخل الأجناسي، فتقرأ المسردية بوصفها كتابة تتجاوز الحدود الصارمة بين الأجناس، حيث تتفاعل آليات السرد مع آليات المسرح، ولا يعود النص قابلا للحصر داخل جنس أدبي واحد. وهذا ينسجم مع الاتجاه الذي يرى المسردية تجربة تهجين وكتابة عبر النوعية أكثر من كونها جنسا مغلقا.
أما حفيظة بوروبة فتشتغل على إشكالية ترجمة مصطلح «المسردية»، باعتباره مصطلحا منحوتا يحمل خصوصية لغوية وثقافية، لذلك تبحث في إمكانات النحت والاقتراض والتعريب والشرح، وتخلص إلى أهمية الحفاظ على هوية المصطلح مع تقديم شرح دلالي، خصوصا في اللغات الأجنبية. ومن المقترحات التي تناقشها استعمال Masradia مع تعريفه عند أول ورود.
ومن هنا تأتي دراسة الدكتور السعيد الغزاوي لتضع الإصبع على أحسّ المواضع في الكتاب: أزمة التجنيس. فالأدب لا يولد دائما داخل الصناديق التي يصنعها النقد، وكثيرا ما يأتي الإبداع ليمتحن صلاحيتها، ويطرق جدرانها ليعرف أهي من حجر أم من وهم. والسؤال الأهم ليس «إلى أي جنس ينتمي النص؟» بقدر ما هو: أيّ شكل يقوى على حمل العالم الذي يريد النص أن يقوله؟ وهذه النقلة من سؤال الانتماء إلى سؤال القدرة مفتاح عميق من مفاتيح فهم المسردية.
وليس الكاتب، حين يخلق شكلا جديدا، في حرب مع الأشكال السابقة. فقد بيّن الكتاب، في سياقاته المرجعية، أن التاريخ الأدبي نفسه عرف نصوصا هجينة ومحاولات متكررة لتجاوز الحدود بين الأنواع. ومن ثم فقيمة تجربة جلاوجي لا تكمن في ادّعاء أنها أول عبور من هذا النوع، بل في تحويلها الإمكان الجمالي العام إلى ممارسة لها لغتها ومرجعياتها وخصوصيتها الثقافية والتاريخية، كما يحوّل الفلّاح الماء الجاري إلى حقلٍ مزروع. فالجديد ليس دائما خلقا من عدم، وقد يكون إعادة صياغة للممكن حتى يوافق حاجة النص.
وهنا تتقدم المسردية سؤالا في الكتابة قبل أن تكون جوابا في التجنيس. فهي لا تكتفي بأن تقول إن السرد يستطيع دخول المسرح، أو إن المسرح يستطيع التسلل إلى السرد، بل تقترح أن تتحول العلاقة بينهما من تعاقب وتجاور إلى تداخل عضوي، يصير فيه كل منهما جزءا من بنية الآخر، كما يصير الماء والملح في البحر شيئا واحدا. ولهذا تبدو مختلفة عن نص روائي كثيف الحوار، وليست مسرحية أثقلتها الإرشادات السردية إنها بنية جديدة تعيد هندسة العلاقة بين الحكي والمشهد.
ومن هنا أيضا تتضح إحدى القضايا المركزية في الدراسات: قضية القراءة والعرض. فالمسردية لا تريد أن تختار بين القارئ والمتفرج، بل تجمعهما في متلق واحد. القارئ لا يكتفي باستقبال الكلمات، بل يبني في ذهنه فضاء وحركة وصوتا وإيقاعا، حتى تغدو الصفحة خشبة متخيلة، ويقترب فعل القراءة من فعل المشاهدة، وتصير العين التي تقرأ عينا تبصر. وفي المقابل لا يفقد النص قابليته للتمثيل حين ينتقل إلى الركح. إنها ازدواجية وجزء من هويته الجمالية.
ولعل هذا ما يفسّر حضور المتلقي في قلب المشروع المسردي. فحين تتراجع الحدود بين القراءة والمشاهدة، لا يعود المتلقي مستهلكا أخيرا للنص، بل يصبح شريكا في إنتاجه. فجزء من العرض يقع في المخيلة قبل أن يقع فوق الخشبة فالوصف قد يصير حركة، والسرد قد يستحيل صوتا، والكلمة قد تستدعي صورة، والإشارة النصية قد تنقلب فعلا مسرحيا. وبذلك يصبح النص المسردي مساحة تتعانق فيها الحواس والخيال.
وتتأكد هذه الفكرة في دراسات الكتاب التي تتناول التجريب والتكثيف والبنية الجمالية. فالمسردية لا تنتمي إلى التجريب لمجرد كسر المألوف، بل لأن شكلها نفسه يتولد من الحاجة إلى استيعاب مادة لا يكفيها شكل واحد. وهذا ما يجعل التجريب فيها فعلا واعيا لا نزوة شكلية، فالنص يمتحن إمكاناته ليوسّع قدرته على قول ما لا يقوى الشكل التقليدي على قوله.
وفي هذا المستوى يصبح «مسرح اللحظة» امتدادا آخر لهذا القلق التجريبي، إذ تكشف المسرديات القصيرة جدا قدرة الكتابة على اختزال المسافة بين الحكاية والمشهد، وتحويل التكثيف إلى طاقة درامية ودلالية، كما تختزل القطرة البحر في مرآتها. ولا تعود قلة الحجم اقتصادا في الكلمات إنما تتحول إلى اقتصاد جمالي يضغط الزمن والحركة والدلالة في مساحة ضيقة. وهو ما يؤكد أن مشروع المسردية ليس شكلا واحدا جامدا، بل يتلوّن بحسب طبيعة المادة التي يريد النص احتواءها.
وتفتح بعض الدراسات كذلك سؤال المرجعيات والتناصات، فتؤكد أن المسردية لا تعيش في مختبر مغلق. إنها تستدعي التراث والذاكرة والحكاية الشعبية والمرجع الثقافي، ثم تعيد تشكيلها في هندسة سردية ودرامية جديدة. فلا يبدو التجديد قطيعة مع الموروث، بل إعادة تشغيل له في سياق حداثي: يعود الموروث وقد تبدلت وظيفته، وتحوّل من مادة محفوظة في الذاكرة إلى طاقة مولدة للمعنى.
وإذا كانت المسردية قد نشأت، في جانب من دوافعها، من أزمة تلقّي النص المسرحي المكتوب أمام اتساع جمهور السرد، فهي لا تقدم نفسها هروبا من المسرح، بل محاولة تصالحية لتحريره من الجمود، وردم المسافة بين النص والقارئ دون التضحية بإمكان العرض. فلا هي تهدم المسرح لصالح السرد، ولا تستبدل الخشبة بالصفحة، وإنما تحاول أن تمنح النص حياتين متداخلتين، كروحين في جسد واحد.
ومن هذه الزاوية يُفهم العنوان نفسه: «المسردية: المصطلح، وأسئلة التجنيس». فهو لا يقول «نظرية المسردية» ولا «تعريف المسردية»، لأنه أكثر تواضعا وأكثر دقة، يضعنا أمام المصطلح كسؤال، وأمام التجنيس كإشكال. وهذا الاختيار مهم، لأن الكتاب لا يدّعي أن الظاهرة استقرت نهائيا، بل يضعها تحت المجهر النقدي ويتركها مفتوحة على مزيد من الفحص والمراجعة والتطوير.
وهنا تكمن قيمة الكتاب الحقيقية: أنه لا يكتفي بالاحتفاء بتجربة جلاوجي، ولا يكرر القول إنها «جنس هجين» ثم يمضي، بل يحاول تفكيك هذا الهجين: كيف يتشكل؟ كيف يعمل؟ ماذا يغيّر في علاقة السرد بالمسرح؟ ماذا يضيف إلى القارئ؟ كيف يعيد تعريف النص المسرحي؟ وهل يكفي النحت الاصطلاحي وحده لتأسيس جنس أدبي؟ أم أن الجنس لا يكتسب مشروعيته إلا حين تتراكم خصائصه الجمالية، وتتشكل له آليات إنتاج وتلق، فيصير قادرا على الانتقال من تجربة صاحبه إلى فضاء الإبداع العام؟
وهذه الأسئلة هي التي تمنح الكتاب وحدته العميقة رغم تعدد أصواته. فالدراسات لا تتطابق، ولا ينبغي لها، إذ كل مقاربة تفتح نافذة مختلفة على الظاهرة، غير أن النوافذ جميعها تطل على فضاء واحد؟، فضاء الكتابة حين تتمرد على أحادية الجنس، وتبحث عن شكل قادر على مرافقة تعقيد التجربة الإنسانية والجمالية.
ومن هنا يمكن النظر إلى الكتاب كانتقال من مرحلة كان السؤال فيها: ما المسردية؟ إلى مرحلة أنضج يصبح فيها السؤال: ماذا تفعل المسردية بالكتابة؟ بالحدود الأجناسية؟ بعلاقة النص بالمتلقي؟ ماذا تفعل بالمسرح حين تهبه السرد، وبالسرد حين تهبه خشبة متخيَلة؟ والأهم: ماذا تفعل بمفهوم الجنس الأدبي نفسه؟
لقد أفضى تراكم الدراسات السابقة إلى نقل المسردية من دائرة التسمية إلى دائرة البحث، وجاء هذا الكتاب ليمنح ذلك التراكم فضاء جامعا يعيد ترتيب الأسئلة ويضعها في حوار واحد. فهو لا يغلق الباب على مفهوم المسردية، بل يفتح أبوابا أخرى، على السرديات، ونظرية الأجناس، والتلقي، وسيميائيات العرض، والتجريب، والكتابة العابرة للنوعية. وهنا تتحول المسردية من صيغة تقع بين المسرح والسرد إلى مشروع يعيد التفكير في العلاقة بين الشكل والمعنى، والخشبة، والقارئ.
ولعل أجمل ما ينتهي إليه هذا الكتاب أنه لا يمنح القارئ تعريفا مغلقا للمسردية، بل يضعه أمام سؤال أوسع: أينبغي للأجناس الأدبية أن تحمي حدودها، أم أن مهمتها الأعمق أن تتغير كلما تغيرت حاجة الإنسان إلى القول؟
فحين تضيق الأجناس باتساع الكتابة، لا يكون الحل دائما في هدم الحدود، بل في اكتشاف الممرات التي تصل بينها، كما تكتشف الريح الشقوق في الجدران. والمسردية، بهذا المعنى، ليست جسرا بين المسرح والسرد فقط، بل هي امتحان لقدرة الأدب على أن يخترع شكله حين يعجز الشكل القديم عن احتواء أسئلته الجديدة.
وهكذا يغادر القارئ الكتاب وهو لا يحمل تعريفا نهائيا بقدر ما يحمل وعيا أعمق بإشكالاته، المصطلح، والمرجعية، والتجنيس، والتجريب، والبنية، والتلقي، والتمثيل. وكلها تصبّ في سؤال واحد يظل مفتوحا، وربما كان أجمل ما في الكتاب أنه تركه كذلك: “أيُّ شكلٍ يليق بما تريد الكتابة أن تقوله؟”
ولعل المسردية، في النهاية، ليست جوابا عن هذا السؤال، بل واحدة من أجرأ المحاولات في مواصلته.
