أعد كتاب (التعبيرات الفنية في أعمال أسرى الحرية) لمنير موسى من بين أهم الأعمال التي شغلتني مؤخراً.. وهذا- لاستثنائية التجربة الإنسانية التي ينطلق منها.. ولما يختزنه من تراكم حكائي أخذت على عاتفها اللوحات مهمة التعبير عنه- وكأننا أمام قصص بدل أن تُكتب بالمفردات.. تشكلت من ذاكرة الوجع ووعي الإنسان بمأساته… وما استوقفني في هذا العمل هو تلك العلاقة العميقة بين الفن وما تعجز اللغة عن استيعابه بحيث لا تعود اللوحة مجرد منجز تشكيلي، تتعدى هذا كله و تصبح امتداداً لوجود إنساني يقاوم محوه وأرشيفاً بصرياً لحكايات ظلت معلقة بين الزمن والغياب… إنها التجربة التي دوما أتمنى مصادفتها والعثور عليها- هي التي تجعلنا نعيد التفكير في الفن بوصفه وعياً قادراً على إنقاذ ما يسقط من ذاكرة التاريخ، وتمنح العمل قيمة تتجاوز موضوعه إلى فلسفة الإبداع ذاته_________
• هناك؛ تجارب إنسانية لا قدرة للتاريخ على استيعابها كاملة- لأن ما يحدث داخل الإنسان أوسع مما تستطيع الوقائع تسجيله وأعمق مما تسمح به اللغة المباشرة.. وربما تجربة الأسر من أكثر هذه التجارب تعقيداً- حيث لا يكتفي الاعتقال على مصادرة الحرية الجسدية فقط.. وإنما يمتد إلى علاقة الإنسان بالزمكان وإلى ذاكرته التي تصير مع مرور السنين عرضة للتآكل تحت وطأة العزلة والغياب.. وفي هذا الموضع تحديداً تتجلى إحدى الوظائف الوجودية للفن التشكيلي- بكونه قدرة على انتزاع المعنى من واقع يسعى جاهداً إلى إفقاده وتحويل ما يتعذر الاحتفاظ به مادياً إلى أثر بصري يقاوم المحو
من هذه الإشكالية ينطلق كتاب (التعبيرات الفنية في أعمال أسرى الحرية.. بحث في المفاهيم والمعاني) للفنان والباحث “منير موسى” الصادر عن دار الأمير للنشر والتوزيع والترجمة بمرسيليا/ فرنسا سنة 2026.. ليقارب تجربة الإبداع التشكيلي لدى الأسرى الفلسطينيين باعتبارها ظاهرة فنية وإنسانية تستحق الدراسة خارج حدود التفاعل العاطفي مع ظروف إنتاجها- فالكتاب لا يبحث في اللوحة باعتبارها شاهداً على المعاناة وحدها.. وإنما يحاول استنطاق بنيتها الرمزية والكشف عن العلاقة التي تنشأ بين المادة والذاكرة والوعي، أين يجد الإنسان نفسه محاصراً داخل مكان مغلق، بينما تظل مخيلته قادرة على استحضار العالم الذي غاب عنه
وربما ما يعطي لهذه الدراسة عمقها هو انتقالها من سؤال ما الذي رسمه الأسير إلى سؤال أكثر تركيباً يرتبط بكيفية تشكل الرؤية الفنية داخل تجربة الاعتقال؛ إذ لا يمكن فصل الصورة عن شروط ولادتها.. ولا قراءة اللون بمعزل عن العالم النفسي الذي استدعاه- فالزمن داخل السجن يفقد انتظامه المألوف والمكان يصير حدوداً مفروضة على الجسد، بينما تستعيد الذاكرة وظيفتها بوصفها المجال الذي يمنح الإنسان القدرة ليُعيد تركيب وجوده.. وحين يرسم الأسير شجرة أو نافذة أو سماء مفتوحة- فإن القيمة الدلالية لهذه العناصر لا تستقر في أشكالها الظاهرة.. وإنما تتحدد بعلاقتها بما افتقده صاحبها وبالمسافة الفاصلة بين الشيء كما يتذكره والواقع الذي يمنعه من الوصول إليه
من هذه المساحة يقترب الفن التشكيلي من إحدى أعقد قضاياه الفلسفية.. وهي العلاقة بين المرئي وما يتوارى خلفه- فالصورة لا تأخذ معناها من قدرتها على محاكاة الواقع فحسب، وإنما من جرأتها على استحضار الغائب وإعادة تشكيله في الوعي.. ومن هذه الزاوية يمكن استيعاب الأعمال التي يتناولها منير موسى باعتبارها محاولات لإنتاج حضور بديل لما صادره الاعتقال بحيث تتحول الذاكرة إلى مادة تشكيلية ويصير اللون حاملاً لتجربة نفسية وتاريخية تتجاوز سطح اللوحة.
ويتوقف الكتاب عند عتبات الخصوصية المتعلقة بالأدوات والخامات التي استعان بها الأسرى.. من خيوط الملابس والأغطية إلى المواد المعاد تدويرها والبذور والحجارة؛ وهي تفاصيل تتعدى أهميتها حدود الابتكار التقني لتلامس طبيعة العملية الإبداعية نفسها- فوقت تصير المادة نادرة.. يضطر الفنان إلى إعادة اكتشاف إمكاناتها، وحين تغيب أدوات التشكيل التقليدية.. يدخل البحث عن البديل في صميم الممارسة الفنية- وبذلك يصبح السؤال مرتبط بما تكشفه هذه المواد البسيطة عن قدرة الوعي الإنساني على تحويل الضرورة إلى لغة جمالية وعن العلاقة العميقة بين القيد بكونه شرطاً مادياً والخيال بكونه إمكانية لتجاوزه.. ولا يصير مرتبطاً السؤال بما يمكن إنجازه بهذه الأخيرة
من جهة أخرى؛ القيمة الفنية لهذه الأعمال لا ينبغي أن تُختزل في الظروف القاسية التي أنتجتها- فالمعاناة وحدها لا تمنح العمل شرعيته الجمالية.. مثلما لا تكفي النوايا الإنسانية لتفسير بنيته التشكيلية، ومن هذه النقطة بالضبط؛ تبرز أهمية محاولة المؤلف قراءة الرموز والألوان والأشكال ضمن سياقاتها.. والانتقال من توثيق التجربة إلى مساءلة ما أنتجته من مفاهيم ودلالات- إنها مقاربة تفتح المجال للنظر إلى فنون الأسرى كونها إنتاجاً بصرياً صاحب خصوصية تاريخية وإنسانية تلازمه وتخصه.. ويستحق أن يُدرس بأدوات النقد الفني وهذا دون فصله عن الشروط الاستثنائية التي تشكل داخلها.
أما الذاكرة؛ والتي تحتل موقعاً مركزياً في هذا العمل.. فتتجلى أكثر من أنها مجرد خزان للماضي- إنها القوة التي تعيد بناء الزمن وتقاوم انقطاع الصلة بالعالم حتى يصبح الرسم فعلاً لاستعادة ما حاول الغياب حجبه عن الوعي.. فالنسيان في تجربة الأسر لا يتعلق بضياع التفاصيل وحدها، وإنما بإمكانية انقطاع التجربة الإنسانية عن امتدادها التاريخي- ولذلك تكتسب الصورة وظيفة تتجاوز التعبير الفردي إلى حفظ أثر الإنسان داخل الذاكرة الجماعية.. ومن هذه الزاوية يصبح الفن التشكيلي نوعاً من الأرشفة الوجدانية التي تحفظ الكيفية التي عاشه بها الإنسان وما تركه في داخله من جراحٍ وأسئلة وتحولات.. ولا تحفظ الحدث فقط كما وقع بالضرورة
وتكتسب هذه الرؤية أهمية أكثر في الفصل الذي يخصصه المؤلف لمشروعه الفني “سقوف الذاكرة” حيث تشتبك التجربة الشخصية بالمقاربة البحثية ويتحول صاحب الدراسة من قارئ للأعمال الفنية إلى فنان يعيد مساءلة ذاكرته الاعتقالية من خلال التشكيل- وقد قضى منير موسى سبع سنوات في الأسر.. وهو ما يجعل علاقته بموضوع البحث علاقة معايشة إلى جانب أنها علاقة معرفة وتحليل- وهذه الخصوصية تمنح الكتاب بعداً إضافياً، لأن الذاكرة هنا لا تحضر موضوعاً للدراسة فقط..ولكنها تصير طرفاً في إنتاجها.. وهذا بما تتيحه من اقتراب من التجربة وما تفرضه في الوقت ذاته من ضرورة المسافة النقدية
ما يثيره هذا الكتاب في جوهره يتعدى حدود الفن الفلسطيني ويتجاوزه إلى سؤال إنساني أبعد.. يتعلق بطبيعة الإبداع نفسه وبقدرته على مقاومة اختزال الإنسان في واقعه المادي- فالجسد الذي يكون مُحاصراً داخل المكان لن يفقد بالضرورة قدرته على إنتاج عوالم رمزية.. وبدوره الإنسان الذي يُنتزع من حياته اليومية يستطيع أن يستعيد بعض ملامح تلك الحياة داخل أثر فني يمنح الغياب كياناً قابلاً للرؤية والتأمل.. هنا- الحرية لا تكون مجرد وضع قانوني أو حركة جسدية..ولكنها تصير أيضاً علاقة الوعي بذاته وبالعالم، وهذا من غير أن يعني ذلك أن الحرية المتخيلة تستطيع تعويض الحرية المسلوبة في أرض الواقع
بهذا المعنى، يقدم (التعبيرات الفنية في أعمال أسرى الحرية) محاولة لإدخال منجز تشكيلي ظل مهدداً بالتهميش والضياع واحتمالية ركنه في الظلام إلى مساحة القراءة الفنية والتاريخ الثقافي.. ويطرح في الوقت نفسه ضرورة التعامل مع الصورة باعتبارها معرفة بالإنسان وليست زينة مضافة إلى تجربته- وما يعطي العمل ثقله الحقيقي كونه يعيد طرح المسألة الجمالية من داخل شرط إنساني بالغ القسوة.. بحيث يصبح الإبداع حاجة إلى استمرار المعنى وتصبح اللوحة شاهداً على ما لم تستطع الجدران احتواءه
” ولعل أعمق ما تكشفه هذه التجربة أن النسيان لا يبدأ باختفاء الإنسان من المكان- وإنما باختفاء أثره من الذاكرة.. وأن الفن حين يبلغ هذه الدرجة من الارتباط بالوجود، لا يرسم الحرية الغائبة بقدر ما يمنع الغياب من أن يصبح الحقيقة الوحيدة ”
