ومضات أمل الثافية _______________من عزلة القراءة إلى مغامرة الفعل الثقافي، تجربة أدبية تتقاطع فيها أسئلة المرأة والهوية والذاكرة مع البحث عن معنى الكتابة وحدود قدرتها على تغيير الواقع
• في مدينة فرجيوة ومن عمق ازقتها بولاية ميلة الجزائرية، تشكلت ملامح تجربة أدبية اختارت صاحبتها أن تجعل من الكتابة وسيلة لاكتشاف الإنسان ومواجهة ما تخفيه الحياة اليومية ومساءلة تناقضات- إنها الكاتبة والقاصة والروائية “عزة بوقاعدة” هذه المبدعة التي وجدت في القراءة منفذاً مبكراً نحو العالم، قبل أن تحول من علاقتها بالكتب إلى انشغال أعمق باللغة والوجود والمصائر الإنسانية.. فتتنقل بين الرواية والقصة القصيرة وأدب الطفل، حاملةً معها أسئلة تتغير أشكالها الفنية دون أن تفقد علاقتها بالإنسان وما يعتمل في داخله من قلق ورغبة في الفهم
لم تأتِ الكتابة عند بوقاعدة من فراغ ثقافي، فقد سبقتها سنوات من القراءة التي فتحت وعيها على الأدب العربي والعالمي.. إنطلاقاً من المنفلوطي، توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، مروراً بمحمد ديب، الطاهر وطار.. وصولاً إلى إيزابيل الليندي وأناندا ديفي ومن هذه المحطات تدرجت علاقتها بالسرد؛ من افتتان المراهقة بالحكايات ونهاياتها السعيدة إلى إدراك أن الأدب لا يستمد قيمته من قدرتنا على تغيير مصائر الشخصيات وفق رغباتنا.. وإنما من قدرته على جعلنا نواجه ما تعجز الحياة أحياناً عن تفسيره
تعددت إصداراتها بين روايتي “البئر” و”أرواح بلا أجنحة” ومجموعتي “مزاج المرايا” و”أسفار السحاب” إلى جانب “مريمان” الذي أنجزته بالاشتراك مع القاصة فايزة لكحل، وقصة الأطفال “السلحفاة لولي” و ” مغامرات حيران” ويكشف هذا التنوع عبر انفتاحها على أكثر من جنس أدبي وعن اهتمامها بتجريب أدوات مختلفة لمقاربة موضوعات تتصل بالذات والمرأة والذاكرة والهامش الاجتماعي من جهة، ومن جهة أمر مع ميل واضح إلى توظيف الرمز وترك مساحات للقارئ كي يشارك في بناء الدلالة
وتتضح إحدى خصوصيات تجربتها في تصورها للكتابة بوصفها فعلاً يتعدى تسجيل الوقائع- فالواقع عندها مادة مفتوحة على التخييل وإعادة التشكيل.. ولذلك لا تتعامل مع الرمز باعتباره زخرفة لغوية أو غموضاً مقصوداً لذاته- ففي حديثها عن رواية “البئر” تربط دلالة المكان بالذاكرة والجرح الجمعي وما يختزنه الإنسان من تجارب لا يريد مواجهتها.. بينما تنفتح مجموعة “مزاج المرايا” على انكسارات الذات وتعدد انعكاساتها، وهذا في محاولة للاقتراب من الإنسان عبر ما يخفيه أكثر مما يعلنه
إلا أن عزة بوقاعدة لم تحصر انشغالها الثقافي في إصدار الكتب؛ فقد خاضت تجربة تأسيس مقهى “نون” الثقافي النسوي بمدينة فرجيوة- في مبادرة سعت من خلالها إلى تحويل الثقافة من نشاط موسمي إلى ممارسة اجتماعية يومية تمنح المرأة فضاءً للقراءة والحوار والإبداع وألى فعل يترك الأثر بوضوح، وكانت تلك التجربة اختباراً حقيقياً للمسافة الفاصلة بين التصور الثقافي والواقع الاجتماعي والاقتصادي- إذ تحدثت بوقاعدة لاحقاً بصراحة عن إخفاق المشروع وما خلفه من استنزاف مادي ومعنوي.. معتبرة أن المبادرات الثقافية تحتاج إلى احتضان مجتمعي ومؤسساتي حتى تتمكن من الاستمرار.د، ولعل أهمية هذه التجربة تكمن في أنها كشفت جانباً آخر من شخصيتها.. حيث يتصل بالرغبة في نقل الأفكار من صفحات الكتب إلى الحياة وبالقدرة على مراجعة التجربة بعيداً عن تجميل نتائجها
وفي نوفمبر 2025، عادت بوقاعدة إلى واجهة الأخبار الأدبية بتتويج قصتها “مائة وخمسون” بالجائزة الأولى في الدورة الخامسة من المسابقة الوطنية ( أم سهام للقصة القصيرة) بمدينة وهران.. وقد تحدثت عن هذا النص باعتباره تجربة تقوم على التكثيف والاقتصاد اللغوي وإبقاء الدلالة مفتوحة أمام القارئ، مثلما أبدت موقفاً حذراً من الجوائز الأدبية التي تراها اعترافاً معنوياً لا ينبغي أن يتحول إلى سلطة تحدد مسار الكاتب أو تدفعه إلى تكرار نفسه
وتبدو العلاقة بين الحرية الفنية والمسؤولية الإنسانية واحدة من أهم المسائل التي تشغل بوقاعدة- فهي تنحاز في تصريحاتها إلى الإنسان المهمش وقضايا المرأة والهوية.. ولكنها تفضل أن تتسرب هذه الانشغالات إلى النص عبر التفاصيل والعلاقات السردية عوض تحويل الأدب إلى خطاب مباشر- ومن هنا تبرز أهمية مساءلة تجربتها نقدياً انطلاقاً من أعمالها نفسها.. لمعرفة مدى قدرة هذه الرؤية على التحول إلى بناء جمالي يتجاوز التصريح بالموقف إلى إنتاج معرفة فنية بالإنسان والعالم
عزة بوقاعدة تقدم تجربة كاتبة لا تزال تشتغل على توسيع مجالها الأدبي، وقد منحتها القراءة أدوات أولى للكتابة.. فيما وضعها الاحتكاك بالواقع أمام امتحان أكثر تعقيداً من صناعة الحكايات- وبين نجاح النص وتعثر المبادرة الثقافية.. تظل تجربتها مفتوحة على سؤال يتجاوز سيرتها الشخصية إلى واقع الممارسة الثقافية في الجزائر- إلى أي مدى يستطيع الكاتب أن يمنح الثقافة حضوراً فعلياً في المجتمع، إذا كانت البيئة التي تستقبل النصوص لا توفر دائماً الشروط الضرورية للحياة الثقافية نفسها؟
