وما العلم إلا أقلّ القليل في حياة سريعة عابرة. واسأل أيّ مشرف على الموت: كم لبثت؟ فإنه لا يزيد عن قوله: إني أذكر طفولتي كما لو أنها مرت منذ ساعة. وكلامه حقٌّ في ميزان الحق، ووعي وإدراك تستلهمه الروح، ويفقهه القلب، ويأنس إليه العقل. فما الحياة إلا هذا النزر القليل من الزمن، الذي يتزيّا بغير وجهه، وينكشف بغير صورته، ويوهم بغير حقيقته. فإذا رُدِدنا إلى أرذل العمر، واقتربنا من دنوّ الأجل، أدركنا تلك الحقائق المروعة، وأولها أن علمنا قليل تافه أمام سعة علمه، وأن عقولنا صغيرة قاصرة أمام قدرته اللامتناهية وتدبيره الكلّي.
وفي رحلة هذه الحياة القصيرة، ما أسرع ما يدرك الكائن محدودية معرفته وضآلة وجوده عبر صحوة روحية تكشف تراجع المادي أمام الغيبي، وتستبدل اعتداد وهم معرفته بطاقة إيمان بديلة. لكن الذين يغرقون في وحي الشباب، ويعيشون حياة بعيدة عن وطأة الشيخوخة، لا يدركون ذلك الشرخ الذي يرافقهم ويتسع ويكبر فيهم مع تقدّم العمر؛ بل إن أغلبهم لا يكاد يلقي إليه بالا، من فرط انغماسه في لذّة اعتداده بعقله، التي تُصوّر له قدرة لامتناهية على فهم كل شيء.
من وهم هذه المعرفة القاصرة الخادعة يبدأ إدراك الوجود وما وراء الوجود بتعال عقلي، واعتداد نفسي، وتطاوس قرائي، يتجاوز بها الرائي حدود المادي إلى الروحي، وكل زاده في ذلك كلمة «التنوير».
فما التنوير إذن؟ وهل تملك عقولنا القاصرة، التي لا تنفذ إلى بواطن الأشياء، أن تكون موضع ثقة مطلقة، فنسلّم لها زمام المعرفة، ونلغي ما دونها؟
ولعله من الحكمة، وقبل الاسترسال في حديثنا، أن نميز بين التنوير بوصفه سمة إنسانية معرفية، والتنوير باعتباره حركة تاريخية نشأت في أوروبا. فالأول، في تصوّري، ليس مجرد تحرر العقل من سلطة ما، ولا إطلاق المعرفة من كل قيد، وإنما هو ارتقاء الإنسان في فهم الوجود، يجمع فيه بين العقل والوحي، وبين المعرفة والقيم، وبين حاجات الجسد ومطالب الروح. أما الثاني، فهو تجربة تاريخية لها ظروفها ومرجعياتها ومساراتها الخاصة، ولا يصح اتخاذها تعريفاً جامعاً مانعاً للتنوير، أو معياراً تُقاس به سائر التجارب الحضارية.
وعلى هذا كان التنوير الأول أداة تغيير ونهضة؛ واكبت ممارسته الديني ولم تلغه أو تستهن به، بل انطلقت من جوهره، فتآخى الروحي بالعقلي، وتلاحم سؤال البحث عن جواب يضمن نقلة خير للإنسانية. ثم جاء الوجه الثاني للتنوير في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، في شكل حركة فكرية وعلمية قوّضت هيمنة الكنيسة وأنظمة الحكم الملكية، وجعلت من العقل منطلقًا للمعرفة، ومن العلم والتجربة سبيلًا إلى اكتشاف العالم، ومن الحرية والتحرر أفقًا لانعتاق الفكر. وهكذا انطلقت نهضة فلسفية وفكرية وأدبية وعلمية، حملت أوروبا من ظلام قرونها الوسطى إلى إشراقة عصر جديد.
فكان للتنوير أثره في بناء المدنية الأوروبية الحديثة، غير أن بعض مسارات الحداثة قدّمت التقدّم المادي على البعد الروحي والقيمي الذي تحتاج إليه كل حضارة. وهو ما أفضى إلى مفارقة لافتة؛ إذ نهض العالم الغربي، في مراحل من تاريخه، لمقاومة الاستبداد والاستعباد، ثم مارس ضدّ غيره أشكالًا من الهيمنة والاستعباد اللذين ثار عليهما. وهكذا انتقلت آثار التنوير وقيمه وفهوماته من العمران والحياة والعلوم إلى ميادين السياسة والممارسة البراغماتية التي تراجع فيها الضابط الأخلاقي.
والدول التي تمكّنت من بعث العلم عادت لتستغله أبشع استغلال في الاحتلال والهيمنة والصراعات والاقتتال. وهكذا تعرّت تلك الدول التي بدأت نهضتها بالتنوير، وانتهت إلى ممارسات مربكة ومتناقضة مع بعض القيم التي بشّرت بها، من احتلال ونهب وحروب وجشع واستغلال.
ثم صحونا، في عصرنا المتأخر هذا، على نتاج جديد لفكرة التنوير يمارسه بعض أدعيائه، وقد حملوه من فعله الحقيقي إلى صدمة غير مسبوقة. فماذا فعلوا به؟
ربطوه، أول ما ربطوه، بالتديّن، وجعلوا معناه قائمًا على نقيض الدين. لقد رأوا في حركات العقيدة ظلمة كتلك الظلمة التي هيمنت بها الكنيسة في أوروبا أيام صكوك الغفران، وانطلقوا من هذه الزاوية في حكمهم على الدين والتديّن، عازلين المصطلح عن أداء معناه الحقيقي.
والتنوير الذي بدأ بتزاوج النقل (القيمي) والعقل (المادي) مع الحضارة العربية الإسلامية، ثم ظهر بعد قرون في أوروبا بوجه غير الوجه الذي ظهر به في الحضارة الإسلامية، متنازلًا عن البعد القيمي، وداعيًا إلى إعمال العقل واعتماد التجربة العلمية وحرية الممارسة والتفكير والبحث والسؤال؛ يعود هذه المرة بوجه آخر، وصورة أكثر إشكالًا، على أيدي هؤلاء الذين رأوا في الدين والمتديّن قصورًا كليًّا وسفاهة غير مجدية وتسلّطًا جاهلًا.
وهكذا ظهرت هذه الفئة المتحاملة على الدين، بافتقارها إلى أدوات قراءة مؤهّلة وجادّة، وراحت تقدّم رؤاها حلًا لأزمة تراجعنا.
فهل هو كذلك فعلًا؟
لقد ترك تنويرهم المساحات التي كان من الواجب ارتيادها: الفلسفة، والعلم، والفكر، والعلوم الاجتماعية والنفسية، والتاريخ، والاقتصاد؛ وحصر نفسه في الدين، وخصّص ضيقه أكثر في المتديّن، وصارت فئته تستنجد بالتنوير لا بوصفه فعلًا إصلاحيًّا، بل مصطلحًا جاهزًا أمام أيّ استشكال أو سلوك ديني، حتى صار الأمر مرادفًا للتحرّش بالدين.
وقد أسّس ذلك لفكر جديد يُعلي من طبيعة الحياة الغربية بكل ألوانها، مقابل تغييب خصوصية الأنا الثقافية والدينية والهويّاتية، وينشد التقليد دون مراعاة للقيم الأخلاقية، ويحارب مظاهر العفّة، ويهاجم السلوكات الدينية، ويُسفّه الرموز الموثوق بها، بل ويزدري التراث بكل حمولته. وهو، في المجمل، يرى أن أزمة تخلّفنا عن ركب المدنية والتقنية سببها الدين والتراث.
ويجتمع أغلب دعاة هذا الفكر على طريقة تحليل نمطية واحدة: يزدري الدين، ثم يُسلّل ازدراءه ذاك إلى قراءته النقدية للواقع، من خلال تحييد الأنظمة الحاكمة مقابل كيل التهمة للدين.
لكن السؤال الكاشف: ألا يعلم هؤلاء أن الحكم في أغلب البلاد العربية لم يكن يومًا دينيًّا بالمعنى الحقيقي؟ ألا يدركون أن أنظمة الحكم تُدار، منذ نشوء هذه الدول، بحكم عسكري أو ملكي، بعيدًا عن الدين؟ فكيف، إذن، يُحمّلون الدين وِزر ما تصنعه الأنظمة الحاكمة؟
وحتى لو فرضنا جدلًا أن يد السياسة هي التي تستغل الدين، فإن العتب يقع على الحكم الاستبدادي وأهله، لا على الدين. ورغم ذلك، فإن معظم أدعياء هذا التيار يذهبون في مغالطتهم إلى حدّ إلغاء العلاقة بين الواقع الاجتماعي والحكم السياسي، ليكون اجتهادهم محصورًا في تقديم الدين والمتديّن قربانًا للتردّي والتخلّف الذي تعيشه المجتمعات العربية.
ومن هنا تأخذ الاستنارة طريقة عرجاء في التحليل والاستقراء والحكم؛ إذ تُدين الدين عبر إدانة السلوكات البشرية والمجموعات الدينية، وتقاتل بلا هوادة من أجل مجتمع منسلخ متفسّخ بحجّة الحرية، وتطالب بإلغاء مرجعية الهوية والدين بذريعة المواطنة، وتطلق يد المرأة بحجّة تحريرها ومساواتها بالرجل، وتبيح المثلية باعتبارها حرية شخصية للأفراد، إلى آخر تقليعاتها.
ومهاجمة المقدّس وتسفيهه والنيل منه ليس جديدًا عند هؤلاء؛ بل هو واقع في طفولة كل رؤية اكتفت بأنصاف القراءات، ثم خرجت بعدها للإدانة.
ولن أكذبك القول، أيها القارئ، في كشف مستوى التفكير الذي كنت عليه في بدايات شبابي؛ منه انطلقت بفهمي السقيم، وعليه بنيت حجّة ما سبق تحليله. فقد كنت أحد هؤلاء الواثقين بمعارفه الضئيلة وقراءاته الفقيرة، ممن يعتدّون بشيء من ثقافتهم، وهو ما حملني على مهاجمة سلوك الناس وازدرائه في علاقتهم بالمقدّس. كنت أفعل ذلك باستعلاء وادّعاء المعرفة والقراءة، حتى تكوّنت عندي فلسفة حكم تجعل فكرة التنوير ترتبط أكثر ما ترتبط، بازدراء سلوك الناس في تعاملهم مع شعائرهم وعباداتهم الدينية، أو تجعلها وجهًا من وجوه التحرّش بالدين، كما جرت عادة أدعياء التنوير.
كنت أقول مثلًا: إن فلانًا لا يتغيّر، وإن صلاته لم تغيّره، فهو باق على جشعه وكذبه وسرقته وغيبته، إلى آخر قائمة المعاصي. أقنعت نفسي الهشّة الضعيفة بأن كل صلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر هي صلاة باطلة، وببطلان الصلاة، التي هي أساس الدين، ينهدم كل شيء.
من هذه السقطة القرائية الفاسدة، والثغرة النفسية الخبيثة، قدّمت لنفسي حجّة ترك الصلاة.
ثم مرّ زمن، فقلت لنفسي، بهمس الناصح، إني لم أقرأ حتى أبلغ آخر الفهم، وأن القراءات الناقصة هي بالضرورة أمّ كل نقص. وعلى هذا، استدرك قلبي ما جاء في الأثر من قصص تراثية، بعضها موضوع، وبعضها له أصل. ومن ذلك قصة سهيل بن عمرو رضي الله عنه، الذي استغرب اجتماع السرقة والصوم في فعل قاطع طريق، فلما سأله: أتسرق وتصلي؟ ردّ الرجل قائلًا: «إني أترك بابًا بيني وبين الله، لعلّي أن أدخل منه يومًا ما».
وقصة رجل آخر في مسند أحمد، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلانًا يصلّي بالليل، فإذا أصبح سرق. فقال: «إنه سينهاه ما تقول». رواه أحمد، والبيهقي في «شعب الإيمان». وما يعنيه هذا أن الصلاة التي يصليها الرجل ليلًا قد تمنعه من السرقة آجلًا. وانظر كيف ترك النبي عليه الصلاة والسلام بابًا مفتوحًا بين الرجل وربّه.
وهذه القصص من القراءات التي لم أبلغها ساعة حكمت ببطلان الصلاة بسبب ارتكاب الفواحش، فسوّغت لنفسي سببًا مقنعًا لتركها.
ثم يهلّ شهر رمضان الفضيل، فيميل أصحاب أنصاف الفهوم إلى التفلسف في ملاحقة علاقة الصوم بأفعال الناس وسلوكاتهم، ويتحوّل بعضهم، ساعتها، من عابد صائم إلى محاسبة غيره. ولولا جريان الصوم في بعض مناطقنا على عادة العُرف، لأفطر بعض الناس؛ ذلك أن هناك من يحرص على صوم رمضان أكثر من حرصه على أداء فرض الصلاة، وهي صورة غريبة من ازدواجية معيار أداء الشعائر والعبادات.
وزبدة القول إن هذا الإبكار النفسي والعقلي في قراءة المفارقة بين السلوك البشري في واقعه وأداء الشعائر الدينية ينطوي على خطأ فادح في الحكم، يستوجب مراجعة النفس وتصويب العقل. فقد يقول أحدنا: إن شهر رمضان شهر تبذير وكسل وتهاون وعراك وإهمال، وقل ما شئت من السلوكات البشرية الفاسدة والطبائع النفسية الساقطة.
وهي هنا أحكام ظاهرية تستند إلى سلوكات الناس القاصرة، لتنفذ منها إلى الحكم على صميم العقيدة. ومن هنا يتأتّى فهمنا للقياسات الخاطئة والاستقراء المغلوط؛ ذلك أن فلسفة الدين تقوم على إدراك واستكناه وفهم الطبيعة البشرية الناقصة، والتعامل معها بالرفق والصبر. وأن الشعائر والعبادات، على تنوّعها واختلافها في الأديان والملل، إنما كانت محاولات لإصلاح النفس وتهذيب الحيوان فينا.
ووجه الإخفاق الذي نصادفه في سلوكنا أثناء ممارستنا لتلك الشعائر ليس حجّةً تحملنا على ضرب المقدّس من خلال ضرب سلوكنا البشري الناقص، ولا ثغرةً ندخل منها إلى تبرير ترك الصلاة أو الصوم مثلًا، كما تقدّم في الرؤية أعلاه.
وبطول القراءات، واتساع التجارب، وتنوّع الفهومات، وتعدّد الرؤى، وتدفّق العمر، يجد الكائن نفسه أكثر ميلًا إلى الحياة الروحية، التي يقوّي خبراتها وتجاربها العقل، بدل الاعتداد الواهم الذي حكم به في مطلع شبابه.
إن جريان الحياة يعلّمنا التخفّف من أثقال المادة وأحمالها، وأولها الاعتداد بمناورات العقل في مساحات التسليم التي قد لا تخصّه، لنلتفت إلى الروح، إلى الإيمان؛ فثمة حلاوة تخرج عن منطق المادي، متجاوزةً كل حساباتنا البشرية القاصرة، كاشفةً عن ضعفنا أمام قدرة إلهية لامتناهية. ومن ثمّ، فإن أخطاءنا البشرية وأعطابنا الأرضية التي جُبلنا عليها، والتي يعلمها الله تعالى ويقدّرها، ليست حجّةً لمهاجمة الديني، ولا ذريعةً للسخرية من كل ما يدور في فلك العقيدة.
فنور الحقّ جاء به النبيّ محمد عليه الصلاة والسلام؛ إنه الرجل الذي أرسله الله بالهدى والنور، بما تنزّل عليه من الكتاب، وما مارسه من السنة المباركة قولًا وفعلًا.
لقد أدركت متأخرًا أن صرعة الشباب، على ما في الشباب من سرعة حكم، وطيش تصوّر، وقلّة وعي، وفقر تجربة، وإملاق تبصّر، لم تكن إلا جملة أخطاء مارسها الكائن الضعيف على شاطئ المعرفة الكبير، وهو يهاجم سلوكات الناس، ويقيس أفعالهم إلى دين كان يجهله بروحه قبل عقله.
وإذن، فالتنوير ليس فكرةً تنافر الديني، وتقاتل الروحي، وتسخر من الميتافيزيقي، وتحمل العقل إلى مصاف التأليه؛ ولا هو أداءٌ يُحاسب به المستنيرُ الأعطابَ البشرية، ولا أنموذجٌ غربيّ واسع المادة، ولا حريةٌ تُسقط الضوابط، ولا ديمقراطيةٌ محروسة بثالوث الجنس والمال والقوّة.
إنما التنوير الحقّ هو ما آخى بين تطلّعات الروح وحاجات المادة، وواءم بين حياة القيم وحركة العقل في سلّم الصعود الإنساني، الذي لا يُغفل الآخرة لصالح الدنيا، ولا يُجحف في حقّ الدنيا من أجل رهبانية الآخرة. وهو سِمْتُ الحضارة الإسلامية التي جاورت بنورها الروحي والمادي، فكان خير التنوير.
التنوير ووهم المعرفة… بقلم طارق لحمادي
IMG 20261022 WA0003
