ومضات أمل الثقافية –
•في مدينة فالونسيان- valenciennes، على الحدود الفرونكوبلجيكية؛ حيث تتشابك ذاكرة الحروب العتقية مع التحولات العمرانية التي أعادت تشكيل ملامح المدينة على امتداد قرون.. يقف برج “دودين – Tour de la Dodenne” شاهد عيانً على مرحلة من تاريخ أوروبا أين بنت فيها المدن أمنها وراء الأسوار وتأخذ من الطبيعة زادها لتدبير وسائل الدفاع عن وجودها- هذا المعلم الحجري الذي نجا من اختفاء معظم التحصينات القديمة، يحتفظ في تفاصيله المعمارية بحكاية مدينة أدركت مبكراً أن الماء الذي يمنح الحياة يمكن أن يتحول إلى عنصر استراتيجي في مواجهة الخطر القادم من خارج الأسوار
يعود تشييد البرج؛ وفقاً للمكتب السياحي في فالونسيان، إلى الفترة الممتدة بين عامي 1447 و1449 على يد المعماري “ميشيل دو ريمس-Michel de Raims” في إطار تعزيز المنظومة الدفاعية للمدينة وهذا خلال أواخر العصور الوسطى.. وقد أُقيم هذا البناء الدائري الذي يبلغ قطره نحو 11 متراً فوق المجرى الذي تعبر منه مياه نهر “الرونيل- Rhonelle” إلى داخل فالونسيان، ليؤدي وظيفة هندسية وعسكرية دقيقة.. تجمع بين التحكم في حركة المياه وحماية المجال الحضري من الهجمات الخارجية
وتكشف الوظيفة الأصلية للبرج عن جانب مهم من الفكر الدفاعي الذي ساد المدن الأوروبية المحصنة- إذ لم تكن السيطرة على المياه والتحكم بقوتها مرتبطة بتنظيم تدفقها والوقاية من الفيضانات فحسب، وإنما امتدت إلى توظيفها في العمليات العسكرية- فقد كان نظام البوابات المائية يسمح عند الضرورة بإغراق الأراضي المحيطة بالمدينة.. وهذا ما يجعل تقدم القوات المعادية أكثر صعوبة- ومن خلال هذه التقنية لم تعد الطبيعة مجرد محيط جغرافي تتحرك داخله الحروب.. ولكنها أصبحت جزءاً من الهندسة الدفاعية التي صاغ بها الإنسان علاقته بالخطر
ما يمنح برج دودين خصوصيته التاريخية هو علاقته بمدينة نشأت وتوسعت وسط شبكة معقدة من المجاري المائية والقنوات.. قبل أن تتغير ملامحها تدريجياً بفعل التوسع العمراني والتطور الصناعي- فقد كانت فالونسيان التي ارتبط اسمها لاحقاً بالفنون التشكيلية واستحقت لقب “أثينا الشمال” مدينة محصنة ذات أهمية استراتيجية و شهدت أسوارها تحولات عسكرية وسياسية متعاقبة.. بينما ظلت تحصيناتها شاهدة على صراعات القوى التي تنازعت السيطرة على هذا الجزء من أوروبا
إلا أن نهاية القرن التاسع عشر حملت تحولاً جذرياً في علاقة فالونسيان بماضيها العسكري وهذا بعدما شرعت السلطات في تفكيك منظومتها الدفاعية القديمة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1891 -1893 في سياق إعادة تنظيم المجال الحضري وتجاوز الوظائف التقليدية للأسوار التي فقدت جانباً كبيراً من أهميتها أمام تطور التقنيات العسكرية.. ومع اختفاء أجزاء واسعة من تلك التحصينات بقي برج دودين واحداً من الشواهد النادرة على المدينة المُسوَرة والذي ظل محتفظاً بحضوره المعماري بمونه أثراً مادياً لذاكرة كادت التحولات العمرانية أن تمحو معظم علاماتها
اكتسب البرج اعترافاً رسمياً بقيمته التاريخية في السابع عشر من فبراير عام 1904 عندما صُنف ضمن المعالم التاريخية المحمية في فرنسا.. ليصبح أول عنصر من التراث المعماري لمدينة فالونسيان يحظى بهذه الحماية ويعكس هذا القرار تحولاً في النظرة إلى العمارة العسكرية القديمة.. بعدما انتقلت من منشآت ارتبط وجودها بالخوف والصراع إلى شواهد ثقافية تستدعي الحفظ والدراسة- هذا باعتبارها جزءاً من تاريخ المجتمع وتطوره
واليوم؛ وسط المشهد الحضري الهادئ الذي يحيط بالبرج.. تبدو كتلته الحجرية أشبه بوثيقة تاريخية مفتوحة تسمح للزائر بالتأمل في العلاقة المعقدة بين الإنسان والمكان وفي قدرة العمارة على الاحتفاظ بمعانيها بعد زوال الوظيفة التي أُنشئت من أجلها- فالحجارة التي كانت تستجيب لحسابات الدفاع العسكري أصبحت تستدعي أسئلة الذاكرة والتراث.. بينما تحول المعلم من جزء من حدود المدينة المغلقة إلى أحد الرموز التي تساعد على استيعاب تاريخها
إن زيارة برج دودين تتعدى اكتشاف بناء أثري يعود إلى العصور الوسطى.. لأنها تضع الزائر أمام فصل من التحولات التي عرفتها فالونسيان- من المدينة المحصنة التي كانت تخشى ما وراء أسوارها إلى المدينة الحديثة التي تعيد اكتشاف أمسها من خلال ما تبقى من آثاره.. ولعل القيمة الثقافية الأعمق لهذا المعلم تكمن في قدرته على تذكيرنا بأن التاريخ لا يحضر دائماً في المتاحف والوثائق المكتوبة، فقد يستمر في جدار قديم فقد وظيفته التي وُلد لأجلها واحتفظ بما يكفي من وجوده ليشهد على زمن كامل
لقد فقد برج دودين سلطته على الماء وانتهى الزمن الذي كانت فيه أسواره تحرس المدينة من الغزاة.. لكنه احتفظ بسلطة أخرى أكثر امتداداً في الزمن- هي سلطة الذاكرة على النسيان.




