واحدة من أقسى المشاهد انكساراً- تلك التي تتجسد في أخطر ما أصاب الوعي الثقافي العربي وهو يتعامل مع المنجز الغربي بوصفه مرجعية مكتملة.. تأخذ مشروعيتها من جغرافيتها الحضارية أكثر مما تستمدها من قدرتها على الصمود أمام النقد، وهكذا صارت القراءات الأدبية أقرب إلى طقوس الاعتراف بالتفوق منها إلى ممارسة معرفية مستقلة.. كما لو أن العقل الذي ألِف مساءلة النص العربي واعتاد تفتيشه مبرزاً زلاته وجلد كاتبه يفقد جرأته بمجرد أن يجد نفسه أمام رواية أوروبية تحمل اسماً كبيراً أو تاريخاً من الاعتراف الأكاديمي، فينصرف إلى استخراج عبقريتها قبل أن يسأل عن حدودها وتناقضاتها.. ويذهب للإسراف في الاستشهاد بها في كل موضع والاستدلال بها حتى وإن اقتضى الأمر أن يخلق لهذا مساحة.. كما لو كانت الأعمال الغربية تولد بكل كمالها
هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في ضعف الأدوات النقدية وحده- هي في الواقع تكشف عن خلل أعمق في علاقة المثقف العربي بذاته.. حيث تتحول الهيمنة الحضارية إلى سلطة نفسية تستقر داخل الوعي وتعيد تشكيل أحكامه فيأخذ الانبهار مكانه بديلاً عن الفهم، وتتحول المعرفة المستوردة إلى معيار نهائي تُقاس به الأشياء دون أن تخضع هي نفسها للمساءلة.. ومن هذه المنطقة تتجلى الهزيمة المعرفية في صورتها الأكثر تعقيداً حينما يستعير العقل أدوات النقد من الآخر ثم يعجز عن توجيهها نحوه
وربما تجربة “إدوارد سعيد” تمثل النموذج الفكري الذي تحتاج الساحة العربية إلى استعادة روحه- فهو الندرة في زمن الرضوخ.. حيث استطاع الدخول إلى قلب الثقافة الغربية مسلحاً بمعرفتها ومناهجها وتاريخها دون أن يجيز لهيبتها بأن تصادر استقلاله النقدي- وحين أعاد قراءة رواية “مانسفيلد بارك” لجين أوستن في كتابه (الثقافة والإمبريالية) لم يتعامل مع مكانتها الأدبية بكونها حصانة تمنع مساءلتها.. وإنما كشف عن الصِلات بين عالمها الروائي والبنية الاستعمارية التي أسهمت في تشكيل الواقع البريطاني- لقد مارس النقد من داخل المعرفة نفسها وأثبت أن فهم الحضارة لا يقتضي الخضوع لسلطتها الرمزية من جهة.. ومن جهةٍ أخرى أن الاعتراض عليها لا يستوجب إنكار منجزاتها
لم تكن قيمة إدوارد سعيد في أن قراءاته بمنأى عن الاعتراض- فقد تعرضت هي الأخرى للنقد والمراجعة، ولكن تتجسد في قدرته على تحرير العلاقة مع النص من عقدة المركز والهامش وإعادة الاعتبار إلى المثقف بوصفه وعياً مستقلاً يمتلك الشجاعة وجرأة مساءلة ما يعترف بقيمته
لا تحتاج الثقافة العربية إلى مثقف يعادي الغرب تعويضاً عن عجزه، وبدورها.. لا تحتاج إلى مثقف يتماهى معه بحثاً عن شرعية مفقودة- لكنها تحتاج إلى عقل يدرك أن المعرفة لا تكتسب عظمتها من مصدرها وأن النقد يفقد جوهره في الوقت الذي يصير فيه انتقائياً في ممارسة الشك
” فأقسى أشكال التبعية أن يبلغ العقل من المعرفة ما يكفي للإعجاب بالآخر- دون أن يبلغ من الاستقلال الذي يسمح له بمساءلته ”
الاستلاب النقدي- المثقف العربي وعقدة التفوق الغربي…بقلم خليفة عبد السلام
IMG 20261024 174955
