إن الحديث عن إشكالية تسويق الكتاب في بلادنا، يفرض علينا الانتقال من القيمة المعرفية إلى بناء السوق الثقافية. لهذا، لا يمكننا التأكيد على وجود سوق للكتاب بالمعنى الاقتصادي والتنظيمي المتكامل، بقدر ما يمكن وصفها بسوق موجودة لكنها لم تستكمل بعد شروط التنظيم والاحتراف والاستدامة. لاحظوا مثلا أننا نملك دور نشر ومطابع ومكتبات ومعارض، ونسبة متوسطة عموما من الجمهور القارئ.. غير أن هذه العناصر لا تشتغل ضمن سلسلة اقتصادية متكاملة تصل الكتاب بالقارئ المستهدف. والأسباب كثيرة لعل أهمها مشكلة التوزيع ومحدوديته، وضعف البيانات الدقيقة حول المبيعات وسلوك القراء، وهي تحديات تعيق بناء هذه السوق. خذ أيضا مشكلة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية في المجتمع، وكلاهما مشكلتان تفرضان معادلة صعبة بين السعر المناسب وتكلفة الكتاب. لذلك، ينبغي أحيانا تفادي تفسير ضعف تسويق بعض الإصدارات بضعف قيمتها المعرفية بالضرورة، فقد يكون الكتاب جيدًا لكنه لا يصل إلى جمهوره، والتحدي الحقيقي هنا هو الانتقال من منطق إنتاج الكتاب وطباعته إلى منطق إدارة دورة حياته كاملة، نقول ذلك ونحن نعتبر -كخبراء في إقتصاديات الإعلام- الكتاب بمثابة المنتج المعرفي والإقتصادي في آن واحد، ضمن ما نسميه باقتصاد الصناعات الثقافية والإبداعية. ثم أن تحويل الكتاب إلى منتج قابل للتسويق لا يعني إخضاع المعرفة لمنطق الربح على حساب قيمتها، وإنما بناء منظومة تجعل القيمة المعرفية قابلة للوصول والاستمرار. وهنا، نعتقد أن ذلك يبدأ بفهم الجمهور المستهدف قبل النشر، وتحديد موقع الكتاب ضمن حاجاته واهتماماته، ثم تطوير عناصر تقديمه من العنوان والغلاف والتعريف بالمحتوى إلى التسعير والتوزيع والترويج. فليس من المنطقي تسويق كتاب أكاديمي متخصص بالأدوات نفسها التي يُسوَّق بها عمل أدبي موجه إلى جمهور واسع؛ فلكل كتاب جمهوره وقنواته وخطابه التسويقي. ومن هنا تبرز أهمية الشراكة بين الناشر والموزع والمكتبة والجامعة والمؤسسات الثقافية، مع تطوير قنوات بيع منتظمة واتفاقات توزيع واضحة وآليات لقياس المبيعات ومتابعة المخزون وحقوق المؤلف. كما ينبغي ألا يظل تسويق الكتاب مرتبطًا بموسم المعارض والتوقيعات فقط، بل أن يتحول إلى نشاط مستمر يسبق صدور الكتاب ويواكبه ويمتد إلى ما بعده. وهنا يمكن للجامعات والمكتبات العمومية ومراكز البحث والمدارس والجمعيات الثقافية أن تتحول إلى فضاءات فاعلة للتعريف بالإصدارات واقتنائها إذا استطاعت برامج تعاون منتظمة دون الاكتفاء بالمبادرات الظرفية. فسوق الكتاب إنما تُبنى بقدرة المنظومة على إيصال العنوان المناسب إلى القارئ المناسب، في المكان والوقت المناسبين، وبالسعر المناسب. ختاما، دعونا نقدم رؤيتنا الاستراتيجية والاستشرافية الخاصة، إذ نعتقد أن المنصات الرقمية ستتيح فرصة حقيقية لتوسيع سوق الكتاب الجزائري، بشرط ألا تُختزل الرقمنة في إنشاء صفحة على فيسبوك أو نشر صورة الغلاف؛ المطلوب الذي نقصده هو بناء حضور رقمي متكامل يشمل متاجر إلكترونية موثوقة، ووسائل دفع مناسبة، وخدمات توصيل تغطي مختلف الولايات، وفهارس موحدة تتيح البحث عن الكتب ومعرفة أسعارها وأماكن توفرها. ويمكن مثلا توظيف الفيديوهات القصيرة والبودكاست ومراجعات القراء واللقاءات المباشرة مع المؤلفين.. وغير ذلك لصناعة اهتمام مستمر بالكتاب. كما تتيح الكتب الإلكترونية والكتب الصوتية فرصًا للوصول إلى فئات جديدة مع ضرورة احترام حقوق المؤلف. وكرؤية أبعد وأكثر تنظيما وضبطا، يمكن أن نقترح كذلك إنشاء مرصد وطني لسوق الكتاب، نقول ذلك ونحن نفكر في مهامه الجديرة بالاهتمام مثل جمع بيانات الإنتاج والمبيعات والتوزيع والقراءة، ومساعدة الناشرين على اتخاذ قرارات موضوعية دقيقة بدل الاعتماد على الانطباعات. كما ينبغي تشجيع الابتكار في نماذج التوزيع وتطوير الترجمة وربط الكتاب الجزائري بالأسواق العربية والإفريقية. لذلك، نرى أن مستقبل الكتاب في الجزائر تحدده قدرة مختلف الفاعلين على بناء منظومة متكاملة تجعل الكتاب متاحًا والقراءة ممارسة اجتماعية والنشر نشاطًا اقتصاديًا قابلًا للاستمرار. ويبقى الرهان هو بناء سوق تجعل الكتاب حاضرًا في حياة المجتمع، وتمنح المعرفة فرصة أوسع للتداول والتأثير.