من أولى بداياته في مسرح باتنة إلى تجاربه الإخراجية والتمثيلية، أخذ الفنان الجزائري “شوقي بوزيد” مساراً فنياً راهن فيه على التجريب وتحرير الخشبة من سلطة النص.. مستثمراً السينوغرافيا والجسد والصورة في بناء رؤيته الجمالية وهذا عبر أعمال من بينها “الإمبراطور” و”موسو ساراما” و”رمادة 19″ المقتبسة عن عملٍ روائي- وبين حضوره المسرحي وتجربته السينمائية؛ تتجلى ملامح فنان ينشغل بسؤال الإبداع أكثر من اعتراف الجوائز- في هذا الحوار، نقترب من تجربته ورؤيته النقدية لواقع المسرح، وما يواجهه من إشكالات فنية ومؤسساتية،د.. في زمن تتكاثر فيه الأنشطة والتتويجات بينما يظل الأثر الثقافي محكوماً بقدرة الفن على مساءلة الوعي وزعزعة المألوف

حاوره خليفة عبد السلام _________________________

– عندما ننظر إلى مسارك، نلاحظ أنك لم تتعامل مع المسرح باعتباره فضاءً لتمثيل النص فقط، وإنما باعتباره بناءً للصورة والصوت والجسد والفضاء؛ متى بدأت تشعر بأن النص وحده لم يعد كافياً لصناعة العرض المسرحي؟

شوقي : ربما منذ اللحظة التي فهمت فيها أن المسرح ليس أدبا يُلقى فوق الخشبة. النص نقطة بداية، لكنه ليس العرض.
عندما أقرأ نصا، لا أبحث فقط عما يقوله الكاتب، بل أسأل: ماذا يمكن أن يقوله الركح؟ ماذا يمكن أن يقول الجسد؟ ماذا يمكن أن يقول الضوء؟ ماذا يمكن أن يقول الصمت؟ وماذا يمكن أن يقول الفراغ نفسه؟ … لهذا أصبحت بالنسبة لي العلاقة بين النص والصورة والجسد والفضاء علاقة بناء، وليست علاقة تزيين… أحيانا تكون الكلمة هي الأقوى، وأحيانا تكون نظرة ممثل أو ظل أو حركة في الفراغ أبلغ من صفحة كاملة…
أنا لا أريد أن أشرح النص للجمهور، أريد أن أصنع منه حياة أخرى فوق الخشبة.
– ارتبط اسمك بالتجريب المسرحي، لكن كلمة «التجريب» أصبحت اليوم تُستعمل أحياناً لتبرير الغموض أو الفوضى فوق الخشبة؛ أين ينتهي التجريب الحقيقي، وأين يبدأ الادعاء الجمالي؟
شوفي : التجريب عندي ليس أن أفعل شيئا غريبا حتى يقال إنني جربت…. التجريب يبدأ عندما يكون لدي سؤال حقيقي، وأبحث له عن لغة تياترالية جديدة… أما أن أضع أشياء كثيرة فوق الخشبة، وأطفئ الضوء، وأرفع الصوت، وأكسر الحكاية، ثم أقول للجمهور.. هذا تجريب… فهذا ليس بالضرورة تجريبا… الفوضى يمكن أن تكون اختيارا جماليا، لكن بشرط أن تكون فوضى محسوبة داخل رؤية… حتى العبث يحتاج إلى نظامه الداخلي… بالنسبة لي، التجريب مسؤولية. إذا لم أعرف لماذا وضعت هذه الصورة، ولماذا تحرك الممثل بهذه الطريقة، ولماذا اخترت هذا الضوء، فربما أنا لا أجرب، وإنما أرتجل وأطلب من الجمهور أن يدفع ثمن ارتجالي…
– في عدد من أعمالك تبدو السينوغرافيا جزءاً من التفكير المسرحي وليست مجرد خلفية بصرية؛ هل تعتقد أن المسرح الجزائري ما يزال أسير سلطة النص على حساب الصورة والفضاء؟
شوقي : إلى حد كبير نعم، وإن كان الوضع يتغير…
لدينا تاريخ طويل مع النص باعتباره مركز العرض، وأحيانا يصبح المخرج نفسه خادما للنص بدل أن يكون صانعا للعرض… أنا لا أضع السينوغرافيا لكي أجمل الخشبة… السينوغرافيا بالنسبة لي تفكير، وقد تكون أحيانا شريكا في كتابة المعنى. الباب، الكرسي، الفراغ، اللون، مستوى الأرضية، الضوء… كلها يمكن أن تصبح شخصيات داخل العرض…. المشكلة ليست أن نحترم النص. المشكلة عندما نعتقد أن احترام النص يعني ألا نلمسه….
– إلى أي حد يستطيع المخرج أن يخون النص الأصلي من أجل أن يكون وفياً للمسرح؟ وهل ترى أن الإخراج قراءة للنص أم إعادة كتابة له بلغة الخشبة؟
شوقي : أحيانا يجب أن يخون المخرج النص كي يكون وفيا له… لكنني لا أقصد الخيانة المجانية… هناك فرق بين أن أخون النص لأنني لا أفهمه، وأن أخونه لأنني فهمت ما أريد أن أبحث عنه من خلاله…. الإخراج في رأيي قراءة، لكنه ليس قراءة مدرسية… هو إعادة كتابة بلغة أخرى…لغة الممثل، والفضاء، والضوء، والإيقاع، والصمت.
الكاتب يكتب نصا، والمخرج يكتب عرضا. وإذا كان المخرج مجرد منفذ لما كتبه المؤلف، فما الذي بقي من وظيفة الإخراج؟ أنا أؤمن بالمخرج الذي يتحمل مسؤوليته الفنية، وليس بالمخرج الذي يختبئ دائما خلف اسم الكاتب…
– اشتغلت على نصوص ذات طبيعة مختلفة، من المسرح المكتوب إلى النص الروائي؛ ما الذي يحدث للمخرج عندما يقف أمام رواية يريد تحويلها إلى عرض؟ هل يبدأ من الحكاية أم يبحث أولاً عما يمكن للمسرح أن يقوله ولم تقله الرواية؟
شوقي : أبدأ من السؤال الثاني.
الحكاية موجودة أصلا في الرواية، فلماذا أعيد سردها كما هي؟ عندما أخذ رواية إلى المسرح، أبحث عن الشيء الذي يمكن للمسرح أن يضيفه إلى الرواية، وليس عن طريقة لتلخيصها…
الرواية تستطيع أن تدخل إلى رأس الشخصية، وأن تصف مدينة في عشر صفحات، وأن تنتقل بين الأزمنة بسهولة… المسرح له أدوات أخرى. عنده جسد حي أمامك، وفضاء، وصوت، وضوء، وجمهور يشاهد الحدث وهو يحدث الآن…
لذلك لا أحاول أن أضع الرواية كلها فوق الخشبة. أبحث عن جوهرها، ثم أترك للمسرح أن يخترع لغته…
– في تجربة «رمادة 19» مثلاً كنت أمام عالم روائي مكتمل لغوياً وسردياً؛ كيف يمكن للمخرج أن يتحرر من هيبة الكاتب المعروف حتى لا يتحول العرض إلى مجرد ترجمة بصرية للرواية؟
شوقي : هيبة الكاتب يمكن أن تصبح مشكلة إذا دخلت بها إلى قاعة الإخراج… عندما اشتغلت على «رمادة 19»، لم أكن أريد أن أقول للجمهور: انظروا، هذه رواية واسيني الأعرج على الخشبة. كنت أريد أن أقول: هذه رؤيتي المسرحية لهذا العالم… في رمادة 19 كانت تهمني النواة ( العائلة )
الكاتب الكبير لا يحتاج إلى مخرج يشرح له قيمته، والمخرج لا يجب أن يتحول إلى مترجم بصري له…. أنا أحترم النص وصاحبه، لكن بمجرد أن أصبح النص بين يدي، تبدأ مسؤوليتي. أقرأه، أختلف معه، أحذف، أركب، أبحث عن الصورة والإيقاع، وأحيانا أترك أشياء مهمة في الرواية لأنها ببساطة لا تحتاجها الخشبة… وإلا سنكون أمام رواية مصورة، لا أمام مسرح…
– قدمت أعمالاً تقوم على الرمز والتجريد وبناء الصورة؛ هل تعتقد أن المسرح مطالب دائماً بأن يكون مفهوماً للجمهور، أم أن من حق العرض أن يترك المتلقي داخل منطقة القلق والالتباس؟
شوقي : أنا لا أؤمن بمسرح يريد أن يفهمه الجمهور في اللحظة نفسها وبالطريقة نفسها… الفن ليس امتحان فهم… من حق العرض أن يترك سؤالا، وأن يربك، وأن يجعل المتلقي مختلفا معي في تفسير ما رأى… بل أحيانا أعتبر أن العرض الذي لا يترك شيئا غامضا بعد انتهائه قد انتهى فعلا بانطفاء الضوء… لكن هناك فرق بين الغموض وبين عدم امتلاك شيء تقوله… أنا أقبل أن لا يفهم المتلقي كل شيء، لكنني لا أقبل أن لا يكون هناك شيء يمكن أن يشعر به أو يفكر فيه…
– هناك من يرى أن أزمة المسرح العربي ليست في غياب النصوص أو الممثلين، وإنما في غياب الرؤية؛ هل يعاني مسرحنا اليوم من نقص في الأدوات أم من نقص في السؤال نفسه؟
شوقي : أعتقد أننا نعاني من الاثنين، لكن نقص السؤال أخطر… الأدوات يمكن تعلمها. الممثل يمكن أن يتدرب، والمخرج يمكن أن يطور أدواته، والتقني يمكن أن يتعلم… لكن ماذا تريد أن تقول؟ هذه هي المشكلة… أحيانا ننتج عرضا لأن هناك دعوة إلى مهرجان، أو لأن هناك ميزانية، أو لأن هناك مناسبة، ثم نبحث بعد ذلك عن السؤال…
أنا أعتقد أن المسرح يبدأ قبل الخشبة، يبدأ من القلق. عندما لا يكون هناك قلق، يصبح النشاط المسرحي مجرد حركة…
كذلك نعاني من فهم الإدارة للإبداع و هذا امر ارق كل مبدع …
– كيف تنظر إلى العلاقة بين المخرج والممثل؟ هل الممثل مادة داخل رؤية المخرج، أم أنه شريك قادر على تغيير تصور العرض من الداخل؟
شوقي : الممثل ليس مادة خاما أستعملها كما أريد… هو شريك، لكن الشراكة لا تعني غياب المخرج…
أنا أدخل إلى البروفات برؤية، لكنني لا أدخل بإجابة مغلقة. أحيانا يأتي الممثل بحركة أو إحساس أو اقتراح يجعلني أغير ما كنت أعتقد أنه صحيح… المخرج الذي لا يتغير أثناء البروفات قد يكون دخل إليها وقد انتهى من إخراج العرض قبل أن يبدأ… وفي المقابل، الممثل يحتاج إلى أن يعرف أن الحرية ليست الفوضى… نحن جميعا نعمل داخل رؤية واحدة، لكن هذه الرؤية يمكن أن تتغير بفضل الممثل.
– بما أنك عشت التجربتين، التمثيل والإخراج، هل غيّرت تجربة الوقوف أمام الكاميرا والخشبة طريقتك في إدارة الممثل عندما أصبحت في موقع المخرج؟
شوقي : بالتأكيد… عندما تكون ممثلا، تعرف معنى أن يقف شخص أمامك ويقول: «أعطني إحساسا أكثر». هذه جملة لا تعني شيئا إذا لم يشرح لك المخرج ماذا يريد فعلا… تجربة الممثل جعلتني أكثر حذرا في إعطاء التعليمات… أحاول ألا أقتل الممثل بالتفسير… أعرف أيضا معنى الخوف، والشك، والانتظار، وأعرف أن الممثل أحيانا يحتاج إلى ثقة أكثر مما يحتاج إلى عشر ملاحظات… المخرج الذي لم يجرب الوقوف أمام الممثل قد ينسى أن الإنسان الموجود أمامه ليس زر تشغيل…
– جسدت شخصية محمد بوضياف في السينما؛ ماذا يحدث للممثل عندما يقترب من شخصية تاريخية محمّلة بذاكرة سياسية ووطنية؟ وكيف يتجنب أن يتحول الأداء إلى تقليد خارجي للشخصية؟
شوقي : الشخصية التاريخية فخ كبير للممثل… لأنك قد تنشغل بالشكل: كيف يمشي؟ كيف يتكلم؟ كيف ينظر؟ كيف يجلس؟ ثم تنسى الإنسان الموجود خلف هذه التفاصيل… عندما تقترب من شخصية مثل محمد بوضياف، أنت لا تقلد صورة موجودة في ذاكرة الناس، بل تحاول أن تفهم إنسانا عاش ظروفا وصراعات وقرارات ومخاوف.. التشابه الخارجي يساعد، لكنه لا يصنع الشخصية…
الممثل لا يجب أن يصبح صورة فوتوغرافية للشخصية… عليه أن يبحث عن منطقها الداخلي، وإلا أصبح أمامنا تقليد، مهما كان التشابه كبيرا..
– المسرح في جوهره فن يقوم على الحضور الحي، بينما أصبح الإنسان المعاصر يعيش داخل الشاشة والصورة السريعة؛ هل تشعر أن المسرح اليوم يقاوم شكلاً جديداً من العزلة الثقافية؟
شوقي : نعم، وربما هذه إحدى أهم وظائفه اليوم…المسرح يجبرك على أن تجلس مع إنسان آخر في المكان نفسه، وأن ترى جسدا حقيقيا أمامك، لا صورة على هاتف… في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يمر خلال عشرات الصور في دقيقة، يأتي المسرح ليقول له: توقف قليلا…
لكنني لا أعتقد أن المسرح يجب أن يحارب التكنولوجيا… عليه أن يعرف لماذا هو موجود..
قوة المسرح ليست في أنه أسرع من الشاشة، بل في أنه أبطأ منها، وأقرب إلى الإنسان….
– هل ما زال المسرح الجزائري قادراً على صناعة جمهور، أم أننا وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها المسرح يُنتج داخل دائرة مغلقة من المسرحيين والنقاد والمهرجانات؟
شوقي : المسرح قادر على صناعة الجمهور، لكن الجمهور لا يُصنع بالبيانات الصحفية ولا بالمهرجانات وحدها…هذا ما يجب أن تفهمه الوصاية.. إذا كان العرض لا يخرج من المؤسسة إلى المدينة، ولا يصل إلى المدارس والجامعات والأحياء والناس العاديين، فكيف نطلب من الجمهور أن يأتي؟
شوقي: أحيانا أشعر أن بعض عروضنا تتوجه إلى المسرحيين أكثر مما تتوجه إلى الجمهور..
نحتاج إلى أن نخرج من هذه الدائرة. المسرح ليس مسابقة بين المسرحيين أمام لجنة، بل علاقة مع مجتمع كامل… و هذا ما يجب أن تفقهه الوصاية كذلك …
– المهرجانات والجوائز أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة المسرحية العربية؛ هل ساعدت فعلاً على تطوير المسرح، أم أنها صنعت أحياناً عروضاً تُنجز من أجل لجان التحكيم أكثر مما تُنجز من أجل الجمهور؟
شوقي : المهرجانات يمكن أن تكون مفيدة جدا، والجوائز يمكن أن تكون جميلة للفنان، لكن عندما يصبح المهرجان هو الغاية، تبدأ المشكلة… نعم، هناك عروض يمكن أن تشعر أثناء مشاهدتها أنها تخاطب لجنة التحكيم أكثر مما تخاطب الجمهور..
وهذا خطر حقيقي، لأن بعض المخرجين يبدأون في التفكير: ماذا يحب المحكم؟ ما الذي يمكن أن يفوز؟ كيف أضع هذه العلامة هنا وهذه الحركة هناك؟.. أنا لا أريد أن أصنع عرضا كي يعجب ثلاثة أشخاص يجلسون في الصف الأول أو في منصة التحكيم… أريد أن أصنع عرضا يستطيع أن يعيش حتى بعد أن تنتهي المسابقة…
– قلت في إحدى رؤاك إن التتويج لا يصنع قيمة الفنان؛ في زمن أصبحت فيه الجائزة جزءاً من صناعة الاسم الثقافي، كيف يحمي الفنان مشروعه من أن يتحول إلى مطاردة دائمة للاعتراف؟
شوقي : بأن يعرف لماذا يعمل…. إذا كان الفنان لا يعرف لماذا يصنع العرض، ستصبح الجائزة هي الإجابة الوحيدة… أنا حصلت على جوائز، وأعرف قيمتها وأفرح بها، لكنني لا أستطيع أن أجعلها معيارا لقيمتي…الجائزة بالنسبة لي فرحة لحظة ليس إلا
التتويج لحظة، والمشروع مسار…. والفنان الذي يبدأ في صناعة أعماله لكي يفوز، قد يفوز فعلا، لكنه يخسر الشيء الأخطر: صوته الخاص.
– هناك فرق بين أن يكون الفنان معروفاً وأن يكون لديه مشروع؛ ما الذي يعنيه «المشروع المسرحي» بالنسبة إلى شوقي بوزيد، وهل ترى أن المسرح الجزائري يملك اليوم مشاريع فنية حقيقية أم تجارب متفرقة؟
شوقي : المشروع بالنسبة لي ليس عدد العروض التي أخرجتها، ولا عدد الجوائز التي حصلت عليها…
المشروع هو أن يكون هناك خيط، حتى لو لم يره الآخرون بسهولة، يربط أعمالك وأسئلتك واختياراتك…أنا أبحث دائما عن المسرح الذي يحول النص إلى فعل بصري وجسدي، وعن علاقة حقيقية بين الممثل والفضاء والصورة…
هل لدينا مشاريع؟ لدينا أفراد وتجارب مهمة، بالتأكيد. لكنني أعتقد أننا ما زلنا بحاجة إلى مشاريع طويلة النفس، لا مشاريع مرتبطة بموسم أو مهرجان..الفنان لا يبني مشروعا في سنة.
– كيف تنظر إلى الجيل الجديد من المسرحيين؟ هل يذهب فعلاً نحو لغة مسرحية جديدة، أم أنه أحياناً يعيد إنتاج التجارب السابقة تحت مسميات حديثة؟
شوقي : الجيل الجديد ليس مطالبا بأن يشبهنا، وهذه نقطة مهمة… لكن الجديد لا يعني أن تغير المصطلحات فقط… أحيانا أرى لغة جديدة في الشكل، لكن السؤال قديم جدا… وأحيانا أرى شابا يستخدم أدوات بسيطة لكنه يحمل سؤالا جديدا، وهذا بالنسبة لي أكثر أهمية… أنا لا أخاف من الجيل الجديد، بالعكس. أخاف فقط من أن يعتقد أنه جديد لأنه يستخدم كلمة حديثة أو تقنية جديدة… الجدة ليست في الجهاز الذي تستعمله، بل في الشيء الذي تقوله من خلاله…
– في زمن الذكاء الاصطناعي والصورة الرقمية والوسائط الجديدة، هل ترى أن التكنولوجيا ستفتح للمسرح إمكانات جمالية جديدة، أم أنها قد تسلب الخشبة أهم ما تملكه: هشاشة الجسد وحضوره الحقيقي أمامنا؟
شوقي : التكنولوجيا لن تقتل المسرح، إلا إذا سمح المسرحيون لها بأن تفعل ذلك… أنا لست ضد التكنولوجيا… بالعكس، يمكن أن تفتح فضاءات جمالية هائلة، خصوصا في الصورة والصوت والإضاءة والوسائط… لكنني لا أريد أن أذهب إلى المسرح لأشاهد شاشة كبيرة تقوم بكل شيء بينما الممثل موجود فقط كي يربط المشاهد.
أهم ما يملكه المسرح هو الإنسان الحاضر أمام إنسان آخر… يمكنني استعمال الذكاء الاصطناعي، والإسقاطات، والفيديو، وكل الوسائط الجديدة، لكنني لا أريد أن أنسى لماذا اخترت المسرح أصلا
– إلى أي حد يجب أن يكون المسرح سياسياً؟ وهل يستطيع الفنان أن يشتغل على المجتمع والسلطة والحرية من دون أن يتحول عرضه إلى خطاب مباشر أو منشور أيديولوجي؟
شوقي : المسرح عندي سياسي بمعنى أنه يتعامل مع الإنسان داخل المجتمع، حتى عندما لا يرفع شعارا سياسيا… لا أحتاج إلى أن أجعل شخصية تصرخ في وجه الجمهور حتى أقول إن هناك مشكلة…
أحيانا كرسي فارغ، أو شخص ينتظر، أو باب مغلق، يمكن أن يقول عن السلطة أكثر من خطاب كامل… المشكلة تبدأ عندما يتحول المسرح إلى منشور… الفن لا يحتاج دائما إلى أن يعطيك الإجابة… أحيانا قوته في أن يجعلك غير مرتاح أمام السؤال…
– عندما تنظر إلى تجربتك اليوم، هل هناك عرض أخرجته وتشعر أنك لو عدت إليه لهدمته وأعدت بناءه من جديد؟ وما الذي تغير في نظرتك إلى المسرح بين بداياتك واليوم؟
شوقي : طبعا…لو عدت إلى بعض أعمالي القديمة فسأهدم أجزاء منها، وربما سأترك أجزاء أخرى كما هي. وهذا طبيعي… الفنان الذي لا يريد مراجعة أعماله القديمة إما أنه توقف عن التعلم، أو أنه لا يرى نفسه بوضوح… في بداياتي كنت أبحث كثيرا عن إثبات أنني أستطيع أن أفعل شيئا. اليوم أبحث أكثر عن لماذا أفعله..ربما هذه هي المسافة الحقيقية بين البدايات واليوم: في البداية كنت أبحث عن المسرح، واليوم أصبحت أبحث عن السؤال الذي يجعلني أعود إليه…
– ما الذي يخيفك أكثر في المسرح: عرض يفشل جماهيرياً لكنه يحمل مغامرة فنية حقيقية، أم عرض ينجح جماهيرياً بينما لا يترك داخلك أي سؤال؟
شوقي : الثاني يخيفني أكثر… الفشل يمكن أن يكون جزءا من المغامرة… قد أفشل في الوصول إلى ما أردت، لكنني أكون قد حاولت… أما أن أنجح، ويصفق لي الجمهور، ويخرج الجميع، ثم أعود إلى بيتي ولا أجد سؤالا واحدا بقي معي… فهذا بالنسبة لي نجاح ناقص… أنا لا أبحث عن الفشل طبعا… أريد الجمهور، وأريد أن يصل العرض…
لكنني أفضل عرضا يختلف معي ويقلقني على عرض يرضيني ولا يحرك في داخلي شيئا…
– هل تعتقد أن أزمة المسرح عندنا جزء من أزمة ثقافية أوسع، حيث أصبح النشاط أكثر حضوراً من الفعل الثقافي الحقيقي، وأصبحت كثرة العروض والمهرجانات أحياناً تخفي ضعف الأثر؟
شوقي : نعم، وأعتقد أن علينا أن نكون شجعانا في الاعتراف بذلك…كثرة النشاط لا تعني بالضرورة كثرة الأثر… يمكن أن يكون لدينا عشرات العروض والمهرجانات والملصقات والتغطيات، ثم نسأل في النهاية: ماذا بقي في المجتمع؟
الثقافة ليست عدد الأنشطة التي أنجزناها، بل ما الذي غيرته هذه الأنشطة في الإنسان..أنا لا أريد ثقافة تملأ الرزنامة فقط… أريد ثقافة تترك أثرا.
– إذا كان المسرح في جوهره مساحة للكشف، فما الشيء الذي ما زال المسرح الجزائري يخشى أن يواجهه بصدق؟
شوقي : أعتقد أننا ما زلنا نخشى مواجهة أنفسنا…
نحن بارعون في الحديث عن أزمة المسرح، وعن الوزارة، وعن التمويل، وعن الجمهور، وعن المهرجانات، وعن النقاد… وكلها أسئلة حقيقية…
لكن السؤال الأصعب هو: ماذا قدمنا نحن؟
هل نكتب فعلا ما نريد قوله؟ هل نغامر؟ هل نختلف؟ هل نملك مشروعا؟ هل نذهب إلى الجمهور أم ننتظر أن يأتي إلينا؟ المسرح مساحة للكشف، لكن أول شخص يجب أن يقف أمام المرآة هو المسرحي نفسه… وأنا، بعد كل هذه السنوات، لا أعتبر نفسي خارج هذا السؤال…
وربما هذا هو السؤال الذي ما زلت أحمله معي إلى الخشبة: ماذا أريد أن أقول، ولماذا يجب أن أقوله الآن؟ هنا و الآن.