في الواقع الثقافي؛ لا يتجسد العجز عن مواجهة الوعي دوماً في شكل الخصومة المعلنة.. فقد يتخفى وراء صمت متعمد يصبح وسيلة عقاب رمزي- حينما يشعر الفاعلين بأن حضور مثقف يمتلك استقلاله الفكري وقدرته على مساءلة المألوف.. يهدد مكانتهم ويكشف هشاشة ما تراكم لديهم من اعتراف اجتماعي لا يسنده بالضرورة استحقاق معرفي.. وعندها يصير التجاهل تقنية لإقصاء ذلك الوعي من دائرة الاعتراف- وكأن الامتناع عن مناقشته قادر على تجريده من قيمته أو إلغاء أثره وكتم صوته
وتكمن المفارقة النفسية في أن هذا الصمت، الذي يُراد له أن يبدو تعبيراً عن اللامبالاة أو الاستعلاء، قد يكون أحد أكثر أشكال الانشغال بالآخر حدة، لأنه يتولد من شعور بالنقص أمام قدرة فكرية يصعب مجاراتها، ومن خوف دفين من المقارنة التي قد تفضح المسافة بين المكانة التي يحتلها المرء والقيمة التي يمتلكها فعلياً، فيستعيض عن المواجهة المعرفية بممارسة سلطة التجاهل، محاولاً تحويل عجزه عن النقاش إلى عقوبة يتحملها من أثار فيه الإحساس بالتهديد
يكون هذا الصمت عقابياً حين يتحول إلى ممارسة انتقائية وممنهجة للإقصاء.. تقودها حسابات النفوذ وحماية المواقع داخل المشهد الثقافي- حيث يصبح الاعتراف بوعي الاخر اعترافاً ضمنيا بمحدودية الذات.. فتُفضَل سلامة الصورة على شجاعة الاختلاف ويغدو تفادي النقاش وسيلة لحماية مكانة تخشى الامتحان
أقسى مفارقات هذا الصمت أن من يمارسه معتقداً أنه يعاقب الوعي بالتجاهل.. يكشف في الحقيقة عن سلطة ذلك الوعي عليه- إذ يصبح وجود الاخر مصدر قلق دائم ويتحول الامتناع عن الاعتراف به إلى اعتراف مستتر بالعجز أمامه.. فحين يحتاج المثقف إلى إسكات حضور غيره كي يحافظ على مكانته، يكون قد كشف أن ما يخشى فقدانه لم يكن قائماً على المعرفة بقدر ما كان قائماً على الخوف من اختبارها.