في عبارة قصيرة، يضع حسين بن قرين درمشاكي أمامنا مشهداً تختلط فيه المأساة بالمفارقة، وتتحول فيه الرغبة في النجاة إلى طريق نحو الهلاك. فقوله: (نحن أمة تهرب من الحقيقة لتموت في حضن الوهم) لا يمثل مجرد توصيف لحالة اجتماعية، بل يحمل رؤية نقدية تتجاوز السلوك الفردي لتلامس أزمة الوعي الجمعي، حين يصبح الابتعاد عن الواقع وسيلة للبحث عن طمأنينة مؤقتة، حتى وإن كان ثمنها خسارة القدرة على التغيير.
تقوم العبارة على ثنائية فلسفية ومعرفية بين الحقيقة والوهم. فالحقيقة هنا ليست مجرد معرفة بما يجري حولنا، بل هي الاستعداد للاعتراف بالواقع ومواجهة تناقضاته وإخفاقاته، مهما كانت مؤلمة. إنها تتطلب شجاعة مراجعة الذات، ومساءلة الأفكار والمواقف، والاعتراف بمواطن الخلل بدلاً من البحث عن مبررات تكرس استمرارها. في المقابل، يبدو الوهم أكثر جاذبية لأنه يوفر ملاذاً نفسياً مريحاً، يسمح للإنسان بالاحتفاظ بصورته المفضلة عن نفسه وعن مجتمعه، بعيداً عن الأسئلة التي قد تهز قناعاته. وهكذا يصبح الصراع بين الحقيقة والوهم صراعاً بين إرادة المعرفة والرغبة في الاطمئنان، وبين مواجهة الذات والاحتماء بما ترغب في تصديقه.
ومن الناحية الأدبية، تكشف العبارة عن قدرة على التكثيف تنسجم مع طبيعة الكتابة القصصية. فنحن أمام بنية درامية مصغرة تبدأ بفعل (تهرب)، ثم تنتقل إلى صورة (الحضن)، لتنتهي بفعل (تموت). وهذا التدرج يصنع حركة سردية لافتة، إذ يبدأ المشهد برغبة في الإفلات من المواجهة، ثم ينتهي بالاستسلام في صورة غير متوقعة. كما أن المقابلة بين الحقيقة والوهم تمنح العبارة توازناً دلالياً، بينما يضيف المجاز بعداً تصويرياً يجعل الفكرة المجردة مشهداً إنسانياً مؤثراً. وتكمن براعة الكاتب في أنه لم يحتج إلى تفصيل الحكاية، بل ترك للصورة أن تحمل أحداثها ونتيجتها في بناء لغوي شديد الاقتصاد.
إن قوة هذا النص لا تأتي من كثرة مفرداته، بل من حسن اختيارها وقدرتها على حمل أكثر من معنى. فهو يختصر أزمة معرفية ونفسية واجتماعية في صورة واحدة، ويترك للقارئ مهمة استكمال الأسئلة التي يثيرها. كما أن ضمير الجماعة يجعل العبارة مفتوحة على مراجعة الذات، فلا أحد يقف خارج دائرة المساءلة.
ولعل السؤال الذي يظل مفتوحاً بعد قراءة هذه العبارة هو: هل نهرب من الحقيقة لأننا نخشى قسوتها، أم لأننا فقدنا الثقة بقدرتنا على تغييرها؟ ففي المسافة بين السؤالين تكمن مأساة الوعي حين يعرف طريق الحقيقة، لكنه يختار البقاء في حضن الوهم. فالخروج من هذا الحضن لا يبدأ بإنكار الخوف أو تجاهل صعوبة الواقع، بل بالاعتراف به، واستعادة القدرة على التفكير والمراجعة والفعل.
قراءة نقدية في نص” نحن أمة تهرب من الحقيقة لتموت في حضن الوهم” للكاتب حسين بن قرين درمشاكي… بقلم أ. ماجد القيسي
FB IMG 1793720714047
