تخيّل جامح

اقتفشت في زاويتها حين سمعت قلقلة المفتاح وصرير الباب.. توقّفت عن حركتها البهلوانية وكأنّها شعرت بتذمّري الهائج لهذا اليوم النّكد ..أرحت معطفي الخليع على مسمار دقّ على ظهر الحائط المتآكل والذي مابرح يحاكي معاناة من مكثوا مع عبث الأيام القاتمة وأطياف الّذين رحلوا مع مكابدتهم المضنية لصراع مرير.

اقتربت منها مع ضوء قنديلي الضّئيل وبصوت خفيض: » ألم تملّي من هذا المكان الموحش ..؟! ألا ترحلي يا أرملتي السوداء..؟! »

لم تكترث لكلامي.. ربماعناد لازمها و خوف عكّر مزاجها..! كوّرت جسمها وضمّته ضمًّا فاستحال كوّيرة بالكاد تميّزها.

اعتليت مقعدا خشبيّا..أصبحت قريبا منها وضوء القنديل..خاطبتها مرّة أخرى وأنا في أتمّ الحنق والتّأفف: أتريدين أن أصطاد لك حشرات، لتقومي بطقوسك دون عناء..؟!

تماوتت لحظتها..أخذت أسلوبا دفاعيا، أكيد أحسّت بالخطرالمحدّق بها ..!

-سأتخلّص منك لا محالة..أريد أن أبقى وحدي،سئمت من المراقبة..!

صمت رهيب طغى على المكان..هسيس ملأ أذنيّ..وضعت أكفّي عليهما..لم أتحمّل.

رجعت إلى فراشي المنكوب..وضعت القنديل على مقربة منّي..امتدّت يدي لدفتري الّذي دوّنت فيه ذكرياتي القديمة لسنوات وسنوات..قرأت بعضها..هستيريا من الضّحك داهمتني فجأة، سرعان ماتحوّلت إلى نشيج طفل ضاعت لعبته أو أخذت منه قطعة سكّر عنوة.

خيالات وصور تجلّت..سرعان ما تآلفت روحي معها.

لمست ظهرها بيديّ البريئتين و أخذت في دفعها مع أرجوحتها وكلّي حذر.

كانت ضفائرها تتراقص مع الإندفاع إلى الأمام والرٌجوع إلى الخلف..خلت نفسي أطير معها وأحلامها البسيطة.

.. نّسائم طروبة..عصافير مغرّدة تجاوبت و دفء الرّبيع الطّلق الضّاحك لهذه الصبيحة المشرقة.

ابتسامتها لم تفارقها..ضحكاتها الملائكيّة هدهدت وجه الطّبيعة وامتزجت مع خرير الجداول وثغاء الخرفان مكوّنة سمفونية زادتها جوقة الحساسين طربا.

نظراتها لم تكن تفارقني ساعتها. ستائرحجرات قلبي رقصت فصعدت روحي إلى أبراج السّكينة والوله السّرمدي.

فراشة الرّبيع البيضاء والمرقّطة بالأسود، حطّت فوق زهرة الأقحوان بأوراقه البيضاء وقلبه الأصفر و أريجه المعطّر..نظرت إليّ ..أومأت لي بإمساكها..ثبتّ الأرجوحة..ترجّلت فانحصرت تنّورتها على رجليها البيضاء والملساء كالشّمع..نظرة بريئة سرقتها عيناي من دون أن تشعر.

دنوت منها ..قرّبت سبابتي وإبهامي لأمسكها من جناحيها دون أن أؤذيها..!

طارت وطار معها قلبي.. حزنت وأصبحت كظيما.

التفتّ إليها..طأطأت رأسي ..لقد خذلتها.

بالقرب من النّبع،جمعت باقة من الأزهار البريّة المختلفة الألوان مع شقائق النّعمان والنّرجس..دنوت منها..وبيد مرتجفة وقلب نافر،قدّمتها لها،عساها ترضى.

وضعت راحتيها على كتفيّ..لثمت خدّي..ابتعدت.. لوّحت براحتيها المخضٌبتين بالحنّاء.

طنين وغنّ ذبابة متواصل،نبّهني من ذكرياتي الطّفوليّة..لقد علقت لتوّها في شباكها..تسلّلت من محرابها..تركت مكانها..خدّرت فريستها..أعلنت طقوسها هذه المرّة بالرّقص على خيوطها الحريريّة،مزهوّةبالغنيمة.

تخلّيت عن دفتري وضعته جانبا..شبّكت أعشاري فوق رأسي..تنفّست بعمق..تفرّست مليّا فيها..همست متسائلا ومحاورا نفسي، مستغربا أمري: ماذا لو أهلكتها وهيّ في قرارة نفسها، تعتبرني صديقها الوحيد في هذا المكان المعطّن بالرّطوبة ورائحة التّبغ..؟!

أكيد سأكون مستهترا للغاية وقتها؛ ربّما مجرّد خيال طائش من عجوز خرف.

الأديب: عبد الستار عمورة الجزائر