رسالة المثقّف العربي المعاصر
بقلم : الروائي و الناقد علي فضيل العربي – الجزائر –
المثقف في معناها اللغوي ، كما ورد في لسان العرب و غيره من القواميس و المناجد العربيّة : تعني المقوّم والمصقول ، ثقَّف العصا ، أي قوّم اعوجاجها حتى صارت مستقيمة ، ثم استعيرت للإنسان المتعلم ، و صاحب الثقافة الشاملة . و المثقّف هو ذاك المتعلّم الذي غرف من كل علم بطرف ، فخرج من دائرة التخصّص و ضيقه إلى مجال معرفيّ موسوعيّ أوسع و أعمق . فأصبح المثقّف الحقيقي متعدّد المعارف ، و قد أخذ من علم نصيبا أو طرفا ، على غرار الوصف الذي أطلق على الأديب عند أبي عمرو بن بحر ، المكنّى بالجاحظ ، و على جهابذة الفلسفة . إنّ لقب ” المثقّف ” لا يُنعت به كل من قرأ كتابا أو ألّفه ، أو كتب مقالات في مجلات أو جرائد يوميّة ، بل المثقّف هو الذي تمكّن من ناصيّة اللغة ، و علومها النحوية و الصرفيّة ، و انقادت له أساليبها البيانيّة ، و ترفّع فيها عن التقليد الفجّ ، و ساهم في اكتشاف عوالمها المتعدّدة . و الأمر الذي ينضح له الجبين عرقا ، و تُعض من عُجبه الأنامل ، هو تعميم لقب ” المثقف ” على من لا يستحقّها من منزوعي المباديء و القيّم – بسبب الإعلام المأجور و المقبور – فأطلق على المغنّي الذي لا يعرف إلاّ الغناء ، بل لا يجيد أداءه . و على ضارب الطبل و عازف المزمار و الراقص في حفلات الفلكلور ، و غيرهم من منتحلي الفعل الثقافي الأصيل و دعاته بغير وجه حق . حتى أمست الثقافة غريبة اليد و اللسان و اللون ، و أمسى خلالها المثقّف الحقيقي محاصرا و مهمّشا ، و قد أريد به أن يكون مغلوبا لا غالبا ، و تابعا لا متبوعا ، و راجيّا لا مرجوّا ، و عبدا لا سيّدا .
و الأسئلة التي تفرض نفسها على الرأي العام ، بحدّة و جدّة و استغراب هي :
هل خان المثقّف العربي رسالته الثقافيّة في المجتمع العربي ؟ أو لنقل ، بالأحرى ، و بلفظ أقلّ حدّة : هل تخلّى المثقف عن دوره الريادي في المجتمع العربي ؟ وهل رفع المثقف ـ أخيراـ راية الاستسلام البيضاء ، و رضي عن قناعة أوعن مضاضة ، بوضعه المزري و موقعه الهامشيّ في هرم المجتمع ؟ أم انهزم المثقف أمام رجل السياسة المسنود على ظهر الدبابة ؟ و لماذا تكبّد هذا المثقف العربي شرّ الهزيمة ؟ ممّا أفقد الثقافة الأصيلة بريقها و تأثيرها في الفرد و المجتمع ، و لم تعد أولويّة في جدول أولويات المجتمع ؟
هي بعض التساؤلات التي وجب طرحها في الساحة الثقافيّة ، أملاها راهن ثقافيّ مترهّل و بطيء الحركيّة و التفاعل و الإنتاج .
و أنا هنا لست بصدد تبيان العلاقة بين المثقّف و السلطة السياسيّة ، و و إنّما أقصد السلطة الاجتماعيّة ، المتمثّلة في المكوّنات الاجتماعيّة المرورثة عن الأسلاف ، أو تلك التي أبدعها الأخلاف ، أو اقتبسوها عن المجتمعات المغايرة في بلاد الشرق و الغرب من زاوية ولع المغلوب بالغالب .
هناك جدل قائم و محتدم بين طائفة من المثقّفين ، في ميدان الفكر الفلسفي و في ساحة الأدب ، المتمثّل في جانبه الوصفي ، منذ ظهر الإنسان المثقف ، سواء أكان معارضا للحاكم و خارجا عن طاعته و ناقما على وضعه في سلّم القبيلة أو العشيرة ، أو صعلوكا ينشد شعر الهجاء ( ظاهرة الصعلكة في الجاهليّة ) ، أو مواليّا للحاكم ولاء مطلقا إلى درجة تنزيهه عن أدنى الزلل ، مدّاحا له في منابر الشعر و الخطابة ، منافحا عنه في عدله و سماحته و جوره و استبداده .
دور المثقّف و موقعه في المجتمع – فيما أظنّ – و ربّما فيما أجزم ، ليس أسمى من أهواء المجتمع و مكوّناته . فالمثقف هو بمثابة الحارس الوفيّ و الأمين لمقوّمات مجتمعه القومي و الإنساني . و هو الرجل ، ذو الرجولة الفكريّة و الصلابة الذهنيّة و الملكة العاطفيّة ، الذي يقف شامخ العقل و القلب من أجل ضبط دواليب المجتمع . هو الرجل ، ذو الحكمة العاقلة ، الذي يدرك ما لا يدركه عامة الناس من السذّج و الغوغائيين و الخابطين في ظلمات الشكّ و اللجلجة . هو الرجل الذي يعلم متى يشحذ قلمه ، و يستهلك مداده ، و يسوّد قرطاسه ، و ينير بأفكاره دروب التائهين بين الفجاج المظلمة ، و السالكين سبل الغيّ و الضلال . هو الرجل الحق ، الذي ينافح عن الحق و ينصر مبادئه الساميّة ، و ينتصر لأهله مهما كان موقعهم في النسيج الاجتماعي ، و يناصر الضعفاء و المحرومين و المعذّبين و المتربين و المقهورين و مسلوبي الحقوق ، و الأخذ بأيدي التائهين بين فجاج الجهل و المرض و الضلال الديني و الفكري .
لا يمكن للمثقف أن يكون ظهيرا للحاكم المستبّد برأيه ، الرافض للمشورة ، المستند على قوّته و جبروته و بطانته الفاسدة ، السابح في فلك الأنانيّة و الساديّة . و لا يليق به ذلك أبدا في حين يراه المجتمع مثاله و قدوته في الوعي و التنوير .
و للتذكير ، فقد تعرّض المثقّف العربيّ الحرّ ، منذ القديم ، ومنذ فترات ما قبل الإسلام ، إلى كثير من الأذى النفسي و الجسدي و الظلم المفرط ، جرّاء موقفه الفكري الرافض لحياة العبوديّة ، القائمة على ثنائيّة السادة المالكين لكل شيء ، و العبيد الذين لا يملكون شيئا ، فضلا عن رقابهم . و هو تركيب عشائري و قبلي ، يفتقد للنظام الفطري ، و الروح الإنسانيّة ، و لا ينسجم البتّة من سيرورة الطبيعة البشريّة . كما عانى المثقّف العربيّ الحرّ من خطل ملوك الخلافة و أمراء الطوائف و نزقهم و حمقهم و رعالتهم . و كانت أشهر تهمهم ، ( الزندقة ) – ، و هي تهمة جرّت أغلبهم إلى جحيم الحرق أو ضرب الرقبة بسيف سيّاف الحاكم أو النفي إلى الفيافي القاصيّة ـ كما حدث لابن رشد الأندلسي ـ أو السجن في جبّ مظلم ، و غيرها من أساليب التعذيب و التعزير . وقد قُتل عبد الله بن المقفع ، صاحب الأدب الكبير و الأدب الصغير، و كليلة و دمنة ، و اتّهم العالم و الفيلسوف الأندلسي ابن رشد بالزندقة ، و أحرقت كتبه النفيسة ، و هو الذي شهد المفكّرون الغربيّون بعظيم فضله على نهضة أوروبا ما بعد القرون الوسطى المظلمة .
و لو عدنا إلى أيام العرب و تاريخهم ما قبل الإسلام ، لوجدنا طائفة من الشعراء ، أطلق عليهم النقاد مصطلح ( الصعاليك ) . و هو مصطلح لا يليق بهم ، لأنّهم كانوا شعراء أحرارا ( ثائرين ) . خرجوا ( معارضين ) لنظام القبيلة و شيوخها ، و هو نظام قائم على ثنائيّة الحريّة والسيّادة و الثراء و الجاه و السلطان للأحرار و الأقوياء ، و العبوديّة و الفقر و الحرمان و الخضوع للضعفاء و العبيد . و هم ( الصعاليك ) رمز للمثقفين الواعين الذين لم تشغلهم أبصارهم عن بصائرهم .
المثقف أداة للتغيير الإيجابي ، و البناء المتين أينما وُجد . هو المجاهر بكلمة الحق من أجل كينونة الحق و ديمومته ، و هو الحارس الأمين على محاريب الحريّة و العدالة و المساواة ، المنافح عن حقوق الإنسان و الحيوان و الطبيعة في شتى منابر القول و الفعل ، هو الثائر على الظلم و الاستبداد و الظالم و المستبّد ، الشهم ، الذكيّ الفؤاد ، الصبّ للحقيقة ، الولوع بها ، المتّقد العزيمة ، لا يهادن المتقوّل ، الأرعن ، لا يجامل المخاتل الغبّ ، و لا يجالس الأحمق ، السفيه .
المثقّف الحرّ هو الذي يصدح برأيه في موضع وجوب الجهر ، و يصمت حين يدرك أنّ في الصمت حكمة العالم الفذّ ، و و علم الحكيم الحليم ، و حذاقة الفيلسوف الأريب .
و كم يصدمني ، بعض أشباه المثقفين ، و قد صنّفوا أنفسهم في مصاف المثقفين الأفذاذ ، و هم يعلمون ـ أو ربّما لا يعلمون ـ أنّهم لا يملكون من زاد المثقّف و لبابه إلا الأوهام و القشور . و ما يزيد الحسرة و يزجي التعجّب و يكلم الجوانح دور الإعلام المشبوه و سعيه لتلميع الصدأ و إظهاره للناس في لون الألماس أو الذهب أو الفضة ، و وأد المثقّف الحقيقيّ الأصيل تارة بالإقصاء و التهميش و النسيان ، تارة أخرى بوصمه بتهم شتى و أخطر ، كالخيانة أو التكفير أو إثارة الفتن ، و كلّ ذلك يكون ـ غالبا ـ بإيعاز من دوائر سياسيّة مشبوهة أو جماعات إيديولوجيّة متطرّفة أو فرق دينيّة ظلاميّة .
هناك رهط من المثقفين ، أو أشباههم ، حصروا الثقافة في زاويّة الصراع بين الحاكم و المحكوم . هؤلاء سخّروا أقلامهم ، و برمجوا عقولهم على فضح المستور ، و كشف عورات الآخرين . بحجة امتلاكهم للحقيقة دون غيرهم ، كما هو الحال عند المتطرّفين ، من أهل اليمين و أهل اليسار أو الذين لا يقفون على حرف ، و يتلوّنون في مواقفهم كالحرباء ، ويغيّرون معاطفهم ـ في كل حين ـ دون حرج أو حياء أو مسؤوليّة أو وازع ضميريّ أو عرفيّ .
إنّ مسؤوليّة المثقّف العربي المعاصر و دوره ، لا ينحصران في معارضة السلطة السياسيّة ، و لو كانت عوراء البصر ، رعناء البصيرة . بل دوره الأكبر في تنوير المجتمع ، و إنقاذ أفراده و السموّ بهم من جهل العامّة إلى علم الخاصة ، و إخراجهم من قاع اللاوعي إلى ذروة الوعي . المثقّف ليس رجلا سياسيّا ، لأن هذا الأخير يعتمد على أسلوب ” فنّ الممكن ” ، يثير العامة ببلاغة لسانه و يهيّج عواطفهم ، لكسب قلوبهم و تأييدهم قبل توّليه السلطة و بعدها ، و يغري البراغماتيين من أصحاب المصالح الضيّقة بمناصب تحقّق لهم النفوذ و المنفعة الخاصة .
بينما المثقّف هو رجل فكر و حكمة ، سلاحه في ذلك الإقناع بالحجة الدامغة ، و ممارسة الفكر الجدلي ، بعيدا عن ساحة الإقصاء للآخر ، مهما خالفه في الرأي و التفكير . يؤمن بحريّة التفكير و التعبير ، دون المساس بمقدّساته الدينيّة ، و تسفيه حامليها ، و الطعن في الرسل و الأنبياء ، و كتبهم السماويّة . فلكل مجتمع ثقافة يحملها مثقفوه و يجدّون في نشرها عبر التواصل المباشر أو التواصل عن بعد في جميع أصقاع الكرة الأرضية . و لهذا ، فإنّ المثقفين أو أشباههم ، الذين يسعون إلى تحقيق الأحاديّة الثقافيّة ، على خطى دعاة الأحاديّة السياسيّة أو الإيديولوجيّة أو الاقتصاديّة ، يجانبون الصواب ، و يخالفون الفطرة الإنسانيّة ، و يدفعون العالم إلى الإفلاس الفكري و العبثيّة الثقافيّة .
من واجب المثقّف العربي المعاصر ، أن يعي جيّدا ظروف المرحلة ، زمنيا و مكانيّا ، و يحيا في كنف عصره المعيش . و أن يدرك علل واقعه و أسبابها ، و يجتهد في علاجها بالحكمة ، و أن لا ينقاد للفكر الغوغائي ، أو ينساق إلى زريبة القطيع الأجرب ، أو يحكم على نفسه باليأس و الفشل .
يجب على المثقّف العربي الأصيل أن يؤمن إيمانا صادقا ، لا شائبة فيه ، أنّ مسؤوليته إزاء مجتمعه القومي و الإنساني أكبر ممّا يتصوّر . فهو الحافظ للغة قومه ، و المنافح عنها على كلّ المنابر الثقافيّة و العلميّة و الأدبيّة . و هو الحامل للقيّم القوميّة و الإنسانيّة الساميّة ، و المبشّر بها ، و هو الركن الركين ، و الحبل المتين ، في البناء الحضاري عبر الأزمنة المتعدّدة و الأمكنة المختلفة . و كلّ من ادّعى غير ذلك فهو واهم ، فاقد للبصيرة ، مثله كمثل الساري خبط عشواء في الليالي الداجيّة .
بقلم : الروائي و الناقد علي فضيل العربي – الجزائر
–
