مراحل تطور الشعر عبر التاريخ

الشعر كالكائن الحي يمر بمراحل النمو و الشباب و الضعف , و حين تم تأريخ الشعر كان الشعر قد وصل لذروة المجد و لم يصلنا المحاولات ما قبل هذه المرحلة .. بل وصلنا من العصر الجاهلي في أروع صوره , و كان الشاعر يقول الشعر بفطرته و استنادا على أقوال السابقين و المعاصرين من الشعراء فيخرج الشعر موزونا . ولم يكن الشعرُ مكتوبا بل كان شفويا و لم يتم تسجيل الشعر إلا في مراحل متأخرة عندما انتشر الورق و القلم و الحبر و بدأ العلماء في تأليف الكتب .. قبل هذه المرحلة كان الشعر ينتقل شفاهةً من شخص لآخر و لعل هذا هو السبب الرئيس في عدم وصول الكثير من الشعر القديم إلينا .

فالشعر هو المرآة التاريخية وبمثابة وسائل الإعلام في وقتنا الحاضر ، فمن وصف لتاريخ القبيلة إلى التغني بجمال المعشوقة ، ومن براعة في تصوير الطبيعة والتقلبات المناخية إلى وصف الحروب وعادات الملوك ….. الخ .

و ظل الشعر في أبهي صورة في العصر الجاهلي و صدر الإسلام .. و لمَّا امتدت الفتوحات الإسلامية و حدث اختلاط مع بلاد الفرس و الروم و التأثر بثقافتهم و أدبهم بدأ يظهر التغير في الشعر و صار النظم للشعر العربي يشذ عن القديم حتى استطاع الخليل ابن أحمد الفراهيدي في العام الثاني الهجري ان يستنبط البحور الشعرية و الأوزان للشعر و سماه ( علم العروض ) و وضع 5 دوائر عروضية استنبط منها 15 بحرا هم ( بحر الطويل – بحر المديد – بحر البسيط – بحر الوافر – بحر الكامل – بحر الهزج – بحر الرجز – بحر الرمل – بحر السريع – بحر المنسرح – بحر الخفيف – بحر المضارع – بحر المقتضب – بحر المجتث – بحر المتقارب – ) , لم يخرج نظم الشعراء الجاهليين منها .

و زاد الأخفش تلميذ الخليل ابن أحمد بحرا آخر و سماه بحر المتدارك لتصير البحور الشعرية 16 بحرا .

و هناك بحورا أخرى سماها الخليل البحور المهجورة لم ينظم عليها الشعراء إلا نادرا .. لذا سماها بالبحور المهملة و هي ( بحر المتئد بحر المتوافربحر المستطيل بحر المطرد بحر الممتد بحر المنسرد ) .

و من أشهر شعراء العصر الجاهلي هم أصحاب المعلّقات السبعة، وقيل العشرة، وهم، امرؤ القيس، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى، ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة بن شدّاد، والحارث بن حلزة، والأعشى، والنابغة الذبياني، وعبيد بن الأبرص.

و ظل الشعر لا يخرج عن هذه البحور ال16 حتي العصر الأموي باستثناء محاولات تُعَدُّ فردية ومن ثَمَّ فالشعر في الجاهلية وصدر الإسلام والدولة الأموية لا يحمل شيئًا من روح التجديد الموسيقي .

لكن بمجيء الدولة العباسية و الصراعات التي حدثت و الامتزاج في الثقافات التي دخلت على الإسلام , ظهرت أصواتا معارضة لعروض الخليل ابن أحمد واحتدمت الخصومة بين القديم الذي يمثله البحتري، والحديث الذي يمثله أبو تمام و بشار ابن برد و أبو العتاهية و غيرهم ، وفي ظل هذا التباين في التوجه يزدهر الغناء، ويشتهر في ساحته كثيرون، فقد جذب ميدان الشعر الغنائي الرقيق شعراء كُثر مثل بشار بن برد ومطيع بن إياس، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس، وأبو الشيص، وأبو العتاهية، والحسين بن الضحاك، كلٌّ يحاول الإتيان بالنادر الطريف، وكأن الشعراء الذين يتنافسون في إبداع هذا النوع من الشعر الغنائي الذي نما تحت تأثير الغناء قد اضطروا أن يجددوا مع المغنيين في أوزانهم، فرأيناهم ينحون الأوزان الطويلة، وأوقفوها على شعر المديح وغيره من الشعر التقليدي، وما فتئوا يحرفون في الأوزان حتى انتهى بهم هذا التحريف إلى استحداث أوزان جديدة.

و بدأ الكثير من الشعراء في النظم على بحور لم تتواجد في بحور الخليل , مثل ( وزن المواليا و القوما و الكان كان و وزن السلسلة ) و زادوا على ذلك بنظم قصائد ليست على وزن معروف و كان هذا من سمة هذا العصر .

و ذكر أبو الفرج الأصبهاني أن تلميذ الخليل عبدالله بن هارون بن السميدع البصري يقول أوزانا من العروض غريبة في شعره ثم أخذ ذلك و نحى نحوه و رزين بن زندرود مولى طيفور بن منصور الحميري خال الخليفة المهدي كان يتعمَّد مخالفة العروض، وميزان الأوزان المتعارفة حتى قيل له: العروضي تهكمًا وازدراءً، فقد خرج كثير من شعره عن العروض، وهذا هو أبو العتاهية كان يقول: “أنا أكبر من العروض، يقصد ( عروض الخليل ) , ويظهر أنه كان مشغوفًا بالتجديد والنظم في غير الأوزان المتعارفة، يقول ابن قتيبة: “وكان لسرعته وسهولة الشعر عليه ربما قال شعرًا موزونًا يخرج به عن أعاريض الشعر، وأوزان العرب، و له وزن معروف باسم ( بحر أبي العتاهية ) يشذ عن بحور الخليل .

لكن كل هذا الخروج كان خروجا في شكل البحر لكنه لم يخرج عن التفاعيل التي وضعها الخليل ابن أحمد . فهذه الإيقاعات المستحدثة لا تخرج كثيرًا عن نطاق القواعد العروضية، فهي تدور في محيط أحكام العروض العربية من قريب، ولم تذهب بعيدًا .

من أشهر شعـــراء العصـر العبــــاسي نذكر المتنبي و الأصمعـــي و أبا فراس

الحمداني، وأبا العلاء المعرّي، وأبا نواس، وابن الرومي، وابن الفارض، وأبا العتاهية، وغيرهم من الشعراء ..

لكن هناك ملاحظة في الأوزان التي استحدثت في العصر العباسي و هو وزن الكان كان و إذا صحَّ ما روى عن ( وزن الكان كان ) من أن شطـــــره الأول يخالف شطره الثانى فى الميزان , نستطيع أن نعده تطورا فى الأوزان العربية , فهو يستخدم بحرين متقاربين فى البيت الواحد .

الشعر الأندلسي : فُتحت الأندلس في أواخر القرن الأول الهجري بين عامي 92 و95 هـ في زمن الدولة الأموية وأنشأ المسلمون في الأندلس حضارة زهاء 850 سنة وكانت البلاد تحت حكم الإسلام ، وعبّر عنها العرب بأنها جنة من جنان الأرض .

كان شعراء الأندلس يشعرون أن أصولهم من المشرق و صلتهم لم تنقطع معها لا ثقافيا ولا علميا ، وابن عبد ربه لما كتب كتاب ( العقد الفريد ) حاول أن ينقل أدب المشارقة إلى أهل الأندلس ، وعموما فإنه كلما ظهرت مدرسة أدبية في المشرق رأينا صداها في الأندلس ، وكلما ظهر كتاب في المشرق نجده في المغرب والأندلس ونجد نوعا من التقليد والمحاكاة ، والإعجاب ، من أهل الأندلس بأهل المشرق .

وإذا كانت الأندلس قد طمحت إلى الاستقلال السياسي عن المشرق منذ بدء تاريخها فإنها لم تستطع أن تفلت من الخضوع له ، بل كانت تنظر إليه في المجال الأدبي والثقافي متأثرةً أيضاً بالجو الجديد الذي عاشته، وبقي المشرق قبلة الأندلسيين، وكانت الرحلة إلى الشرق في طلب العلم ولقاء الشيوخ أمنيةً يرجوها كل مثقف أندلسي ، حتى إذا ما رحل إلى الشرق عاد لينشر في الأندلس ما حمله من معارف وما أخذه من شيوخ المشرق .

ولئن كان الأندلسيون في بداية عهدهم يقلّدون إخوانهم المشارقة في شتى مجالات الأدب، إلا أنهم كانت لديهم الرغبة الشديدة في منافسة شعراء المشرق ومعارضتهم والخروج حتى عن الضوابط الشعرية المرعية.

بعد أن تمكّن الأمويون من القضاء على الفروق الاجتماعية التي كانت سائدة بين العرب وغيرهم من المسلمين في الأندلس، ازداد عدد المولّدين ( لفظ يطلق على الشعراء الذين جددوا في البحور الشعرية في بلاد الأندلس ) في عصر الخلافة وأصبح الأندلسيون جميعهم يتعصبون لبلادهم. وكل هذا أدى إلى شيء من التطوّر في الشعر الأندلسي بحيث وظّف الشعراء الألفاظ العامية في قصائدهم كما ابتكروا الأوزان الموسيقية فانتشر الغناء في ربوع الأندلس، وكان من الطبيعي أن يتطوّر معه الشعر، فظهر لون جديد اسمه فن التوشيح أو المُوَشَّح وكان نموذجاً جديداً في الشعر العربي. .

نظَم الشعراء الموشح على نظام المقطوعات الشعرية بصفة محكَمة، وابتكر الوشّاح أوزانا جديدة كما أدخل ألفاظا عامية وعجمية على القسم الأخير من الموشحة. وفي أواخر عصر الخلافة استحدث الشعراء الأندلسيون فنًا آخر هو الزجل الذي نظَموه على منوال الموشحات، لكن بلغة مجردة من الإعراب. وكل ذلك ظهر نتيجة اختلاط الأندلسيين وتسامحهم فيما بينهم، الأمر الذي أفضَى إلى هذا التنويع الثقافي. وقد تُنظَم الموشحة على بحر واحد في حالة من حالتيه التامّة أو المشطورة، لكن بزيادة تفعيلة على الأقفال أو الأبيات أو كليهما معا لتخرج الوزن من صيغته التقليدية إلى صيغة جديدة تلائم التوشيح، كما تتصدر الأجزاء بهذه التفعيلة وغالبا ما تختم بها . ( و هو نوع من أنواع كتابة الشعر الحر في عصرنا الحديث ) .

ثم نظم المولدون نوعا آخر سمُّوه الأرجوزة و جمعها أراجيز و هي تعتمد على تغيير القافية كل بيتين وقد ظهر هذا النوع من الشعر في الأدب الفارسي باسم الدوبيت أي الشعر المزدوج الأبيات، وهي القصيدة التي لكل بيتين منها قافية واحدة. إلا أن الشعر المزدوج الأقسمة كان قد ظهر عند العرب قبل الشعر المزدوج الأبيات الفارسي، وأن هذا الأخير يُعد تطوّرا له. كما أن هذا النوع من الشعر المزدوج عُرف عند الشعراء العرب قبل أن يظهر الدوبيت الفارسي.

ثم استحدثوا في الأراجيز فن المُسْمطات و هو تقطيع القصيدة إلى مقاطع ( أي أبيات .. كل 3 أبيات أو 4 يتم تغيير القافية أو بعد 5 أبيات و سمُّوها المثلثات و

وتُعدُّ الأراجيز و المُسْمطات أول خروج على القافية بصورة ملحوظة رغم وجود عدة محاولات للشعراء للتجديد في القافية , لكن الشعر الأندلسي برع في الأراجيز و المسمطات و الزجل و الموشحات و كلها صور جديدة على الشعر العربي .

ويرى الدكتور شوقي ضيف أن الفرس نظموا علي غرار المزدوج ( المثنوى ) الذي مهد للرباعيات في الأدبين العربي والفارسي ويرى أيضا ان المسمطات تتألف من أدوار وكل دور يتركب من أربعة شطور أو أكثر وتتفق شطور كل دور في قافيه واحده ماعدا الشطر الأخير ثم يتحد مع الشطور الأخرى في الأدوار المختلفة ومن أجل ذلك يسمي عمود المسمط والمسمط هذا مأخوذ من السمط أي القلادة التي تنتظم فيها عدة سلوك تجتمع عند لؤلؤة أو جوهرة كبيرة وتكون المسمطات مربعة أو مخمسة ومخمسة أوسع من المربعة وهذه المخمسات ربما وقعت واحدة منها ( لمقدم ابن معافي ) فقام بنظم الموشحات علي غرارها فالسمط هو الذي أدي إلي ظهور الموشح والمسمطة التي يشير اليها الدكتور (شوقي ضيف هي مسمطة ديك الجن):

قولي لطيفك ينثني ج عن مضجعي عند المنام

عند الرقاد عند الهجوع عند الهجود عند الوسن ج

فعسي أنام فتنطفي ج نار تأجج في العظام

في الفؤاد في الضلوع في الكبود في البدن

جسد تقلبه الأكف ج علي فرش من سقام ج

من قتاد من دموع من وقود من حزن

أما أنا فقد علم ت فهل لوصلك من دوام

من معاد من رجوع من وجود من ثمن

وحين أنشدها ابن حجه قال ( ويعجبني قول ديك الجن ثم ختمها بقوله فهذه القوافي المثبتة يقابل كل بيت بما يليق بها منها والأولي أولي وأرجح .

ولو أمعنا النظر في هذه المسمطة ( لوجدناها موزونه تنتهي بقوافي مقيدة حتي في أثناء الشطر الأول وهذه غريبة علي الشعر ذي الشطرين إذا هي خرجت عن إطار العروض.

محاولات الخروج علي العروض العربي الأسباب والإشكاليات والمتأمل فيها يجدها صالحة للغناء مَبْنَى ومعني وصفاء كلمات فهي عذبة منسابة صدرت عن نفس معذبة اختار ناظمها حروف الروي المفضلة والمحببة لدي الشعراء الكبار والنقاد علي حد سواء لعذوبتها وخفتها علي اللسان فهي وإن اضطربت في بنائها الموسيقي إذا ما قورنت بالشعر ذي الشطرين من حيث صفاقة الإيقاع إلا أنها تتفوق علية غنائيا بحسب علمي بالنغم العربي اذا ما غُنِّيت للإطراب .

و من الصور الجديدة القديمة التي استحدثها الأندلسيون القصائد الحوارية و هي كالمناظرات الشعرية والمساجلة فهي أيضا من الشعر المقطعي إذا زاد عدد أبيات كل مقطوعة منها على اثنين، قد تكون موَحدة القافية أو متعددة القوافي. وهي القصائد التي يتناوب على نظْمها شاعران فأكثر وقد ظهر هذا النوع من النظم عند العرب منذ العصر الجاهلي كما طرقه الأندلسيون في مجالس الأنس والنزهة. وقد يحدث هذا اللون من الشعر حضوريا في مجلس أو بالمُكَاتبة.

الشعر الحر :

لم تقف حركة التطور الموسيقية للقصيدة العربية عند حدود التحرر الجزئي من قيود القافية ، بل تخطتها إلى بعد من ذلك ، فقد ظهرت محاولة جديدة وجادة في ميدان التجديد الموسيقى للشعر العربي عرفت بالشعر الحر ” .

و لعل الشعر الحر ليس جديدا , بل هناك من القدماء من نظم عليه مثل أبو نواس فقد تخلى تخلى عن قوانين البحور الصارمة والقافية تماما مكتفيا بترتيب تفعيلات البحر الخفيف فيكون أول من كتب الشعر الحر في قوله:

ولقد قلت للمليحة قولي

من بعيد لمن يحبك

إشارة قبله

فأشارت بعصم ثم قالت

من بعيد خلاف قولي

إشارة لا لا

فتغنيت ساعة ثم إني

قلت للبغل عند ذلك

إشار امش

ولم يكن هذا المثال هو الوحيد ولكن ثمة قصائد تحذو حذوه وترقى به من مجرد كونه نادرا إلى ما يمكن أن يمثل ظاهرة عامة في الشعر العربي في تلك العصور. ومن هذه الأمثلة قول الشاعر:

رب أخ كنت به مغتبطا ** أشد كفي بعرى صحبته

ممسكا مني بالود ولا ** أحبه يزهد في ذي الأمل

و كنموذج لشعر التفعيلة نرى أن أول من ابتدع هذا النوع من الشعر القائم على تفعيلة واحدة في كل بيت هو سلم الخاسر في قصيدة يمدح بها موسى الهادي منها:

موسى المطرْ

غيثٌ بكرْ

كمْ اعْتسرْ

ثم ايتسرْ

وكمْ قدرْ

ثمَّ غفر

عدلُ السير

باقي الأثر

فرْعٌ مضر ….

بحر الرجز منهوك بتفعيلة ( مستفعلن ) مكررة في كل بيت و كمثال أبضا قول يحي بن المنجم في أرجوزته :

طيفٌ ألم

بذي سلم

بعد العتم

يطوي الأكم

جاد بغم

و ملتزم

فيه هضم

إذا يضم

وهذه الأرجوزة تبني على تفعيلة ( مستفعلن ) أيضا تتكرر كل شطر .

و هذا جزءٌ من محاولات الشعراء السابقين الخروج على عروض الخليل .

ثم جاء في العصر الحديث في أربعينيات و خمسينات القرن الواحد و العشرين من يجدد هذه الظاهرة و سمَّوه ( الشعر الحر ) ..وكانت هذه المحاولة أكثر نجاحا من سابقتها كمحاولة الشعر المرسل ، أو نظام المقطوعات ، وقد تجاوزت حدود الإقليمية لتصبح نقلة فنية وحضارية عامة في الشعر العربي ، ولم يمض سنوات قلائل حتى شكل هذا اللون الجديد من الشعر مدرسة شعرية جديدة حطمت كل القيود المفروضة على القصيدة العربية ، وانتقلت بها من حالة الجمود والرتابة إلى حال أكثر حيوية وأرحب انطلاقا .

وبدأ رواده ونقاده ومريدوه يسهمون في إرساء قواعد هذه المدرسة التي عرفت فيما بعد بمدرسة الشعر الحر ، ومدرسة شعراء التفعيلة أو الشعر الحديث ، وفي هذا الإطار يحدثنا أحد الباحثين قائلا لقد جاءت خمسينيات القرن العشرين بالشكل الجديد للقصيدة العربية ، وكانت إرهاصاتها قد بدأت في الأربعينيات ، بل ولا نكون مبالغين ( إذا قلنا ) في الثلاثينيات من أجل التحرك إلى مرحلة جديدة ، مدعاة للبحث عن أشكال جديدة في التعبير ، لتواكب هذا الجديد من الفكر المرن وقد وجدت مدرسة الشعر الحر الكثير من المريدين ، وترسخت بصورة رائعة في جميع البلدان بدءا ( بالملائكة والسياب والبياني ) في العراق في الأربعينيات ، ثم ما لبثت هذه الدائرة أن اتسعت في الخمسينيات فضمت إليهم شعراء مصريين آخرين مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازي ، وفي لبنان ظهر أحمد سعيد ( أدونيس ) وخليل حاوي ويوسف الخال ، وكذلك فدوى طوقان وسلمى الخضراء الجيوسي في فلسطين و ربَّما سبقهم الشاعر محمود درويش لكن ظاهرة الشعر الحر لم يجد صدى أوسع إلا في خمسينات القرن العشرين ، أما في السودان فقد برز في الأفق نجم كل من محمد الفيتوري وصلاح محمد إبراهيم .

الأديب الكرباسي :

في عام 2011 أصدر الأديب محمد صادق الكرباسي ثلاثة كتب هي: “هندسة العروض من جديد”، “الأوزان الشعرية العروض والقافية”، و”بحور العروض”، وحتى يضع الأديب الكرباسي عشاق الأدب العربي وطلابه ودارسيه في جو البحور الجديدة عمد الى وضع ديوان “ظلال العروض في ظئاب المطالع والملاحق” في ثلاثة أجزاء، ضم كل قصيدة مطلعاً فيه تفعيلة البحر الجديد (التام والمجزوء والمنهوك) . و في هذه الكتب استحدث الكرباسي تفعيلات جديدة مغايرة بعض الشيء لتفعيلات الخليل ابن أحمد و استطاع استنتاج 43 دائرة عروضية استنبط منها 210 بحرا شعريا جديدا .. منهم بحور الخليل ..

و يعد هذا ثورة كبيرة على بحور الخليل ابن أحمد و مزيج للشعر العمودي القديم و الشعر الحر و هو أول خروج على تفعيلات الخليل ابن أحمد , فقد كان كل ما سبق لا يخرج عن تفعيلات الخليل .

و ربما في السنوات القادمة نجد استنباطا لبحور جديدة , و خروج على النظم السابق فالشعر سابق للعروض و متجدد باختلاف البيئات .

المقامات الأدبية :

المقامة كفّن من فنون النثر العربي ظهر في القرن الرابع الهجري، وازدهر في عصر الانحطاط للشعر العربي وهي شبه قصّة قصيرة مسجوعة في أغلب الأحيان تتضمّن مُلَحاً، ونوادر، وعِظاتٍ؛ كان الأدباء يتبارون فيها إظهاراً لبراعتهم اللّغوية، والأدبيّة.

يمتاز هذا الفنّ بأسلوب سرديّ حكائيّ خاصٍّ في بيان غرضه، وخطابه، وهدفه.

وهي جمع مَقَامَة بفتح الميم، فقال القلقشندي « وقد عرّف أصل اللّغة اسم للمجلس، والجماعة من الناس. وسمّيت الأُحدوثة من الكلام مَقَامَةً كأأنها تُذكر في مجلس واحدٍ يجتمع فيه الجماعة من النّاس لسماعها » .

إذن المَقَامة الأدبية أحدوثة أو حكاية أو قصّة قصيرة تعتمد ولا شك في أغلب أحداثها علي الخيال، لا علي الحقيقة. وهي تعتمد علي راوٍ، وبطلٍ محوريّ، وشخصيّات هامشيّة، وأغلبها شخصيّات خياليّة وهمّية غير حقيقيّة. وهي تختلف من حيث الحجمُ فتارة لا تبلغ حدّ الخبر القصير الموجز، وتارة تبلغ حدّ القصّة أو الحكاية القصيرة. كما تختلف أيضاً من حيث الموضوعُ، فتري البعض منها يتناول قضايا الفساد كفساد الحكّام أ و القضاة أو رجال الدّولة، وما إلي ذلك من شخصيّات سياسيّة، واجتماعيّة والبعض الآخر يتطرّق إلي الوعظ، والإرشاد. كما تتّسم تارة بطابعٍ أدبّي ساخرٍ فاخرٍ لاذِعٍ، وتارة بسمةٍ فكاهيّة سخيفة تافهة.

والمقامات عادة تنطوي علي آيات قرآنيّة كريمة، وأحاديث نبويّة شريفة، وأمثال وحِكَم. وتنتظم في مفردات فريدة و ربما تستخدم ألفاظا غريبة لجذب الانتباه قلّ استعمالها أو اندثرت. فهي بحقّ تعتبر ثروة لغويّة،

و يتفق الباحثون على أن مؤسس هذا الفن هو بديع الزمان الهمذاني و تبعه تلميذه محمد القاسم الحريري و له مقامات الحريري و أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري و له مقامات الزمخشري ..

لقد تأثّر الأدباء بعد بديع الزّمان بمقاماته فحاكوه، وقلّدوه في كتابتها من العرب

والإيرانيّين. فمن المقامات العربيّة:

– 1- مقامات ابن الناقيا .

2- – مقامات الحريري ) .. ( وهو نار علي عَلَم غنيّ عن التعريف، وبحق هو الخليفة الحقيقي لبديع الزمان الهمداني في هذا الفن. )

3- – مقامات الزمخشري . 4- مقامات ابن الجوزي

5- – مقامات الحنفي . 6- مقامات الشاب الظريف .

7- – مقامات الصفدي . 8- –مقامات ابن الوردي .

– 9-مقامات السي – 10 . مقامات الخفاجي .

– 11-مقامات السويدي شهاب الدّين أحمد بن البركات،

– 12- المقامات الفارسيّة .

ومع أنّ المقامات فنّ نثري يعود إلي نوع السرد، والحكاية، لكنّها تقترب في فنّها الأدبيّ من الشعر، وقوانينه، وميزاته. وخاصّة عند استخدامها الأسجاع سواء المتساوية الفقرات منها أو المختلفة، وسواء المتّحدة الأحرف أو المختلفة.

كما تشترك مع الشعر في استخدام البيان بأركانه المختلفة، والبدائع، ومحسّناته

اللفظية، والمعنويّة.

  • و مما سبق نجد أن التغير في القالب الشعري سنة واجبة تتأثر بالمحيط الخارجي للإنسان و العوامل البيئية و الثقافية و الحضارية و سيزال القالب الشعري و النثري في تغير إلى يوم القيامة.

بقلم االأديب محمد إمام / مصر

thumbnail_يبلا